وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [1] . ويمكن أن يستفاد التصديق [2] والسرعة دلالة مضافة لهذا الدال. ومن ظلال معنى هذا الاستعمال ما يعطيه من الاستمرار والتجدد، وضمان تمكنه وتحقق الغاية التي جاء لها.
(بَعَثَ)
البعث: الإثارة [3] ،والتوجيه [4] .
وجاء في القرآن الكريم للدلالة على بعث الرسل والأنبياء (17مرة) ، منها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [5] . وعلى الرغم من أن البعث فسر بالإرسال [6] في هذا السياق، غير أن ثمة دلالة ينماز بها (بعث) من (أرسل) إذ يوحي فعل البعث بالتمهل واللبث والإقامة، على حين يوحي فعل الإرسال بالتنقل والحركة.
ولتوضيح هذا الفرق الدلالي نأتي باستعمالهما في سياق قصة موسى (( ) مع فرعون والسحرة، فقال تعالى في سورة الأعراف: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ - وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ - قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ - يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ - قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَشِرِينَ - يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ - وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ - قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ} [7] . وقال في الشعراء {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ - وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ - قَالَ للملأ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ - يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ - قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَآئِنِ حَشِرِينَ - يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ - فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ - وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ - لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَلِبِينَ - فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَلِبِينَ - قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ} [8] .
ففي (الأعراف) استعمل (أرسل) ،على حين استعمل (ابعث) في (الشعراء) ويظهر السر وراء هذا العدول من خلال تلمس الفروق بين القصة في السورتين من خلال عناصر الأداء السياق لهما:
الأعراف (أرسل) ... الشعراء (ابعث)
فالقى عصاه ... فالقى عصاه ...
ونزع يده ... ونزع يده ...
قال الملأ ... قال للملأ ...
إنَّ هذا لساحر ... إنَّ هذا لساحر ...
يريد أن يخرجكم
(1) التوبة / 33.
(2) ينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 98.
(3) ينظر. المقاييس (بعث) 1/ 266.
(4) ينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 215.
(5) الجمعة /2.
(6) ينظر. التبيان 10/ 4، إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم73 -74.
(7) الأعراف /107 - 114.
(8) الشعراء/32 - 42.