فماذا تأمرون؟
يريد أن يخرجكم ... قالوا ارجه وأخاه
فما ذا تأمرون؟ ... وابعث ...
قالوا ارجه وأخاه ... يأتوك بكل سحّار ...
وأرسل ... فجمع السحرة لميقات يوم معلوم
يأتوك بكل ساحر ... وقيل للناس هل انتم مجتمعون
ـــــــــــــــــــــ ... لعلنا نتبع السحرة
ـــــــــــــــــــــ ... فلما جاء السحرة
ـــــــــــــــــــــ ... قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا ...
وجاء السحرة فرعون ... قال نعم وإنكم إذًا لمن المقربين.
قالوا إنَّ لنا لأجرا ...
قال نعم وإنكم لمن المقربين.
يظهر الاختلاف من (بسحره) ،إذ جاءت في (الشعراء) ولم تأت في (الأعراف) ،ويصّاعد الاختلاف بعد ذلك، فقد قال في الأعراف (أرسل) وفي الشعراء (ابعث) واستعمل في الأعراف (ساحر) وعدل عنها في الشعراء إلى (سحّار) وانفردت الشعراء بقوله (فجمع السحرة , ... لعلنا نتبع السحرة) ،وقوله (إذا) التي لم تذكر في (الأعراف) أيضًا. ويبدو أن هذه الفروق تؤكد دلالة (بعث/ابعث) على اللبث والتراخي، ذلك أنه قال معها (يأتوك بكل سحّار) ،على حين قال مع (أرسل) (يأتوك بكل ساحر) فهو في سياق الشعراء (مع ابعث) أراد أن يأتي المَهَرة والأوائل من السحرة، لا السحرة الاعتياديين، فاستعمل ما يدل على المبالغة لذلك، وهذا الاستقدام لهؤلاء السحرة الحذِقين يتطلب وقتا وتنقيبا، ومن ثم مهلة وتريثا، وهذا ما يكسو (ابعث) بإيحاء على البحث والاختبار، و (سحَّار) وإشارة (ابعث) إلى اللبث والبحث تتناسب مع قوله في هذا السياق (بسحره) ، فقد ظهر منه ما يشعر بخوف فرعون من تفوق موسى (( ) ، ولاتخفى علاقة هذا الخوف بأن يبحث عن السحارين المتميزين، لا الساحرين أي ساحرين، ويرتبط هذا بمسألة أخري يدل عليها السياق الادائي للقصة في سورة (الشعراء) هي أنَّ قوله (إنَّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم) كان (قائله) فرعون بينما كان الملأ (قائله) في سياق سورة الأعراف، وزيادة (إذا) تتناسب مع كون هؤلاء الموعود بتقريبهم أوائل السحرة. أما قوله (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم) فيدل على التأني والاختيار، وتمثل الشهرة في الاختيار، ومن ثم يكون الوقت أكثر طولا فيعلي السياق من إيحاء (ابعث) بالتواني والتريث والتخطيط وحسن التدبير، بينما يخلو سياق (أرسل) من شيء كهذا فيبدو إيحاؤه بالسرعة.
وبين (أرسل) ، و (ابعث) فرق آخر يكشف عنه سياق قصة موسى وهارون (( ) أيضًا، فقد استعمل (أرسل) في سياق إرسال موسى (( ) إلى فرعون، وطلبه أن يكون هارون (( ) معه، يقول تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي - وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ - وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي - قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ - فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [1] . وقال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [2] ، فإن في استعمال فعل الإرسال في هذا السياق ما يوحي بخصيصة دلالية يحملها هذا الدليل يبدو أنها تتمثل في إشارته إلى الحشد والمشاركة والمعاونة والنصرة في سياق التبليغ والدعوة، على حين يبعث (بعث/ ابعث)
(1) الشعراء /10 -17.
(2) الأعراف / 103.