وجاء في السياق القرآني للدلالة على الانقطاع إلى الله تعالى، أي انه جاء على الدلالة المعنوية، وذلك في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [1] . فإن الإخلاص والتوجه، والإقبال على العبادة [2] دون انشغال أو التفات إلى الدنيا هو ما يدل عليه هذا الاستعمال [3] ، لا سيما انه جاء بالمصدر على غير طريق الفعل؛ ذلك أن (( مصدر تبتل أيليه(تبتيل) كالتعلم والتفهم ولكن جاء على (التفعيل) ... لسر لطيف. فان في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمُّل والتكثر والمبالغة. فأتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر الدال على الآخر فكأنه قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا ففهم المعنيان من الفعل والمصدر )) [4] .
وفي هذا العدول [5] من التكثيف الدلالي الكثير فقد أحاط به على معنى التدرج والرياضة الروحية وصولا إلى الاستقرار والثبات، وفي هذا الحشد الدلالي ما يُنبيئ بلفتة تربوية جمالية تتمثل في البدء بالفعل الدال على التجدد والتدرج، والتثنية بما يدل على الكثرة والاعتياد، وهذا يتلاءم مع الطريق الطبيعية في تربية النفس وحملها على الشيء [6] والإغراء بها لفعله.
وليس هذا كل ما في دلالة هذا اللفظ، بل إيحاؤه بحالة من التسامي والتصعّد، فكأنه يشير إلى تصعِّد الرسول صلى الله عليه وسلم على الماديات إلى أن يصير روحا خالصة في طريق التوحيد وسلوك مدارج الكمال في معرفة الله تعالى، وصولا إلى (( الحضور مع الله بكامل الحس والشعور ) ) [7] . وربما تستفاد منه الإشارة إلى الدعاء المصحوب بنشيج بكائي ترددي يليق بمن وصل مرحلة الكمال العبادي الذي يريده الله لعباده المخلصين.
(حِطَّة)
الحطُّ: الوضع والإنزال [8] .
جاءت خطابا لبني إسرائيل مرتين، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [9] . ومعنى قولهم (حطة) أنَّهم (( أُمروا أن يقولوا: نستغفر الله ) ) [10] ، فهي بمعنى (( حط عنا ذنوبنا ) ) [11] من الحط الذي هو الإنزال والإزالة. ومن إيحاءاتها (( قولوا صوابا ) ) [12] . والكلمة التي أُمروا قولها هي (( لا اله إلاَّ الله ) ) [13] ولا تستبعد إشارتها إلى الصلاة [14] ، لا سيما أنها قد تلازمت مع السجود في هذا السياق.
(1) المزمل/ 4.
(2) ينظر. المفردات (بتل) 33.
(3) ينظر. في ظلال القرآن /سيد قطب 8/ 347.
(4) التفسير القيم 501 - 502، وينظر. ابن القيم اللغوي / د. احمد ماهر البقري 283.
(5) منهم من فسر استعمال (تبتيلا) بدلا من (تبتلا) مراعاة للفاصلة / ينظر. الكشاف 4/ 177، البحر المحيط 8/ 363.
(6) ينظر. التعبير القرآني /د. فاضل صالح السامرائي 35 -36.
(7) في ظلال القرآن /سيد قطب8/ 348.
(8) ينظر. اللسان (حطط) 7/ 372 - 373
(9) البقرة / 58، وينظر. الأعراف /161.
(10) معاني القرآن / الفراء 1/ 38.
(11) المفردات (حط) 122.
(12) نفسه.
(13) اللسان (حطط) 7/ 273.
(14) يروى: (( أنَّ الصلاة تسمى في التوراة حَطوطا ) )ينظر. اللسان 7/ 273.