على حين جاء لفظ الجلالة (الله) في سياق التوحيد المطلق، والعبودية الحقة التي يرضاها الله تعالى لعباده كما في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ} [1] . مما يشعر أنَّ هذا اللفظ موح بما يعزز التوحيد، والعبادة الحقة له وحده.
ويبدو أنَّ للالف واللام في هذا الاسم قيمة دلالية تتصاغر إذا قيل بعدم أصليتهما [2] فيه، يعنى إذا قيل إنه لفظ مشتق. ويبدو أيضًا انهما مركز انبعاث دلالة هذا اللفظ وهذا ما يُعجِّل القول إنَّ (الله) اسم جامد علم على الذات المقدسة، وهو أحب الأقاويل [3] .
والدرس اللغوي المقارن يؤيد القول بعدم إشتقاقه، فهو مستعمل في الآكدية (آلو) [4] وفي العبرية (إلوه) وفي الآرامية (إلاه) وفي السريانية (ألوها) وفي العربية الجنوبية (إلاه) ومن ثم فإن (ايل) أو (أل) هي الكلمة الأصل في اللغات الجزرية، وما حدث أنَّها استعملت على أشكال صوتية مختلفة [5] . أما استعمال لفظ (الله) في العربية فاغلب الظن انه ناتج عن تديعم في البنية الأصل أي أنَّ التشكيل الصوتي لهذا اللفظ قد أصابه تكيُّف صوتي [6] ربما هو الأنسب للذائقة اللغوية العربية. ووحدة الدليل اللفظي في لغات العائلة الجزرية ـ كما مر ـ يؤشر نزعة توحيدية لدى الأقوام الجزرية، و يؤشر أيضا أن هذا اللفظ موح ـ كما قيل ـ بالتوحيد، فما هذه الوحدة اللفظية إلاَّ ممثل لهاجس التوحيد العبادي الذي غلب على تلك الأقوام وإن تعددت الآلهة عندهم.
وقد فُطن إلى هيمنة الألف على الدلالة في هذا الاسم، فأوحت الألف واللام بالدلالة على (( أنه إله كل شيء ) ) [7] المستحق وحده للإلهية [8] . أما العظمة وفخامة ذكره سبحانه فمما يرتبط
بالألف واللام [9] أيضًا.
وجاء في القرآن الكريم (2702مرة) [10] ، منها قوله تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [11] . والتصويت بهذا اللفظ يشعر بدلالة على العمق، والعظمة والانتشار. ويظل السياق الثقافي يضمِّن اللفظ دلالات إيحائية لا تنتهي، وغاية ما يمكن أن يقال دلالة نفسية لهذا اللفظ (( إنِّي أرى لقولي(الله) فضل مزية على (اله) واني اعقل به ما لا أعقل بقول (اله ) )) [12] . إذ يحمل هذا اللفظ الدلالة على الارتياح، والتللذ وفيض من الأمان والاطمئنان، والخلود وغير بعيد عن هذه الإيحاءات قولنا: (الله ... الله) عندما نلذ بشيء، أو نعجب به، فإن من يمسك سعادة ما، أو يتملكه الإعجاب ينطلق لسانه بهذا اللفظ مريدا وغير مريد.
(1) الإخلاص /1 - 2.
(2) ينظر. القول بزيادتهما في بصائر ذوي التمييز 2/ 15.
(3) ينظر. الزينة 2/ 13، اللسان (أله) 13/ 467.
(4) ينظر. من تراثنا اللغوي القديم / طه باقر 48.
(5) ينظر. الزينة 2/ 20 (هامش المحقق) .
(6) الفارق في هذا الاسم في الجزريات فارق نطقي/ ينظر. اللامات ـ دراسة نحوية شاملة في ضوء القراءات القرآنية / د. عبد الهادي الفضلي 46.
(7) غريب القرآن/ ابن قتيبة 5.
(8) ينظر. إشتقاق أسماء الله الحسنى 39.
(9) ينظر. الزينة 2/ 14.
(10) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 40 - 75.
(11) البقرة /255.
(12) إشتقاق أسماء الله الحسنى 37.