فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 257

يتوصل بها الفرد إلى فهم سلوك الجماعة [1] ، فتكون بازاء وعي جماعي، ووعي فردي، ما هو إلاَّ تطبيق عملي لوعي الجماعة [2] وقانون الثقافة.

من هنا تقود الثقافة بعنصريها (وعي الجماعة ووعي الفرد) إلى صياغة المعنى وتشكيله على نحو يميل إلى التجريد والتوسع ليشمل آفاق هذا الوعي الواسع، فهنالك (( امور خفية، ومعان روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيئًا لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسًا ) ) [3] ، وهذا يقود في أغلب الأحايين إلى عدم النظر إلى المعنى من ناحيته الواقعية والموضوعية، بقدر ما يمثله هو من بعد ذاتي أو رمزي.

ويعضد السياق النفسي السياق الثقافي في إنتاج الدلالة النفسية بما يتيحه من فرصة التأمل والتأثر بانفعال المعنى، فضلا عن منطقه، فإن منطقة المعنى في اللفظة ـ أية لفظة ـ لا تخلو من بعدين: البعد المنطقي الثابت، والبعد الإشاري أو التأملي الحر؛ ذلك أنَّ العناصر العاطفية والانفعالية لا يخلو منها ـ بنسبة ما ـ النظام اللغوي [4] ، فإن (( الإنسان لا يستخدم اللغة للتعبير عن شيء، بل للتعبير عن نفسه أيضًا ) ) [5] ، مما يقود إلى متابعة الألفاظ متابعة (باطنية) عميقة تتجاوز حدود الخبرة الفردية إلى حركة الوجود الجوهرية وأبعاد الإنسانية والمجتمع [6] على نحو رمزي تجريدي.

ويشي هذا السياق المعنى بالإشارية ومزيد من التخيل الذي يجتلب الإدهاش وعنصر الغرابة، فإن الدلالة النفسية تضيف إلى اللغة جانبا مهما وفاعلا من جوانب فاعليتها وأثرها، وتُظهر من جهة أخرى مكمنا من مكامن عبقرية اللغة وحسن سياسة المعنى فيها، وهذا ليس يخلو منه القرآن الكريم فهو مشحون ببنائه اللغوي بأجواء من الانفعالات وآفاق من التأمل عجيب.

فقد حوى من الألفاظ ما تشع دلالته على الأنفس والآفاق، فكثير منها لا تنقضي دلالته بمجرد الكلام على ظاهر المعنى، فيجد طالبه نفسه مدفوعا إلى ملاحقة المعنى إلى باطن اللفظ وعميق أحشائه، فيكون هاجس المعنى هاجسا (سحريا) بعد أن كان ذهنيا لا يجعل صاحبه يقنع بما يمسكه من أطرافه، بل يحضه على جوهره سالكا في ذلك مسلكا عرفانيا؛ فينشأ (( موقف نفسي وفكري ... لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير ) ) [7] .

وعلى هذا طُلبت الإشارة في التفسير فكانت منهجا يعتمد تأويل آيات الكتاب العزيز بإشارات خفية [8] لطيفة، وجاءت تسمية هذا الضرب من التفسير بالإشاري؛ لأنهم (( يعبرون عن المعاني والمواجيد التي يجدونها عند قراءتهم للقرآن، وتدبرهم لآياته بالإشارة، كقولهم: واشارت أو تشير هذه الآية ) ) [9] . وليس هذا حسب سببا في التسمية بل رائدهم في المعنى إشارته وفحواه ورمزه لاظاهره فقط، وما كان ذلك إلا لأن القرآن الكريم يسمح بذلك ويفيض به؛ إذ يروى عن الإمام الصادق (( ) أنه قال: (( كتاب الله عز وجل على أربعة أشياء: العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص،

(1) ينظر. علم اللغة الاجتماعي 131، 136.

(2) ينظر. المعنى والكلمات / سعيد الغانمي 65.

(3) دلائل الاعجاز420.

(4) ينظر. دور الكلمة في اللغة 94.

(5) اللغة 183، وينظر. الأسس الجمالية في النقد العربي / د. عز الدين إسماعيل 33، شعر المكفوفين في العصر العباسي - دراسة نفسية في أثر كف البصر / د. عدنان عبيد العلي 334.

(6) ينظر. الوعي والفن / غيورغي غاتشف 88 - 91.

(7) بنية العقل العربي / د. محمد عابد الجابري 255. وهذا من معاني العرفان عنده.

(8) ينظر. تطور تفسير القرآن / د. محسن عبد الحميد 154 - 155

(9) التفسير الإشاري، ماهيته وضوابطه / مشعان سعود العيساوي (رسالة ماجستير) 62، وينظر. البحث الدلالي في تفسير لطائف الإشارات / عقيل عكموش عبد (رسالة ماجستير) 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت