أما دلالة الفحوى، أو مفهوم الموافقة، أو القياس الأولى، فانها تتمثل (( في فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصودة ) ) [1] .
ويمثل لها بقوله تعالى: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [2] . فعبارة النص تحريم قول (( أفٍّ ) )من الولد لوالديه، وفحواه تحريم ما فوق لفظ (( أفٍّ ) )من ضروب الإهانة، أو الضرب أو الأذى [3] أو التحقير، فضلا عن العصيان، فقد انصرفت (أفٍّ) بمعونة السياق إلى الدلالة على ضروب الإهانة والتحقير كلها، فأخرجت مخرج اللفظ المتضمن الدلالة على ذلك، فكأن دلالة الفحوى دلالة تضمنية إشارية، ذلك أنَّ (أفٍّ) تتضمن الدلالة على ما فوقها وعلى ما يُقاربها من سلوك مرفوض بازاء الوالد من نظر شزر، أو توعد بمكروه ... .، فتكون الفحوى مما يقارب الدلالة النفسية في إحالتها عبارة النص إلى دال يدل على مدلولات متوالية.
د ـ الدلالة الايحائية.
مر الكلام على دلالة الإيحاء والمعنى الإيحائي بعدِّه نوعا من أنواع المعنى، ولا يأتي الكلام عليه هنا إعادة بل لتركيزه قسما من أقسام الدلالة النفسية الموضوعية.
تنقسم الألفاظ بالإضافة إلى الدلالة على قسمين: ألفاظ تكون باردة الدلالة هافتة الإيحاء منطوية على معنى وحيد لا تجاوزه، وألفاظ حساسة الدلالة قوية متشضية في إيحائها الدلالي (منفلتة) من قيود الدلالة الاجتماعية الثابتة، فيها (( قوة تعبيرية، بحيث تؤدي بها فضلا عن معانيها العقلية، كل ما تحمل في أحشائها من صور مدخرة، ومشاعر كامنة، لفت نفسها حول ذلك المعنى العقلي ) ) [4] . فلكثير من الألفاظ (( وقع خاص يسيطر على النفس، لا يوحيه لفظ يوازيه لغة، فهو مجال الانفعالات النفسية والتأثير الداخلي للإنسان ) ) [5] ، ومن ثم تكون في الألفاظ قابليات دلالية واسعة يكون ظهورها والامساك بها تبعا لحساسية المتلقي وذائقته اللغوية، فتنشأ الدلالة النفسية ذات الأصل الموضوعي المنطوق في اللفظ ذاته.
هـ ـ الدلالة الاسلوبية.
ينتج السياق الاسلوبي، ومداومة اختصاص الألفاظ بمعايير طبقية، أو مكانية معينة، تكثيفا إيحائيا، ويمنح هذه الألفاظ ما يمكن أن يسمى بـ (التكيّف الدلالي) ، وهذا التكيّف يكون مثار إيحاء أو رغبة في تملك هذه الألفاظ إيحاء معينا تريده هذه الطبقة، أو تلك. و إذا لم يكن الأمر كذلك فإن واقع الاستعمال يشحن (الألفاظ الأسلوبية) طاقة إيحائية عالية، من خلال إيثارها الدلالي المهيمن، ولا شك في أن يقود إيثارها الدلالي إلى ما يشبه التمايز الدلالي، فتأتي المعاني النفسية وقد اكتسبت بعدا موضوعيا من سياق استعمالها الاسلوبي.
أما الدلالة النفسية الذاتية، فينضوي تحتها ما بقي من أنواع المعنى وبحسب الاتي:
أ ـ الدلالة الهامشية.
ما يميز الدلالة الهامشية من الدلالة الإيحائية أنَّها أشبه ما تكون منطلقة من المتلقي إلى اللفظة راجعة إليه، أي المتلقي، إذ (( تبعث تلك اللفظة في ذهن السامع دلالة معينة اكتسبها هذا السامع من تجاربه السابقة، ويفترض بعد سماعها أن ما دارس في خلد هذا المتكلم يطابق تمام المطابقة ما يدور بخلده، فهو لم يتغلغل في عقل ذلك المتكلم، ولم يكشف عن حقيقة ما يجول في ذهنه، ولم يقف على حدود دلالته وما حولها من
(1) دراسة المعنى عند الاصوليين 155.
(2) الاسراء / 23، وينظر. الانبياء /67، الاحقاف /17.
(3) ينظر. المستصفى من علم الاصول 273، دراسة المعنى عند الاصوليين 156.
(4) فنون الأدب / تشارلتن 76، وينظر. في علم اللغة / د. غالب المطلبي 86.
(5) الصورة الفنية في المثل القرآني 237.