فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 257

اختيارها منظور فيه إلى تشكيلها الصوتي، فقد (( جمعت في الكلمة حروف الأسنان والشفة ... التاء والشين والسين تعاقبا، تتخللها الكاف، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغما موسيقيا خاصا حملها أكثر من معنى الخصومة والجدل والنقاش بما اكسبها من أزيز في الأذن يبلغ السامع إلى أنَّ الخصام قد بلغ درجة الفورة والعنف من جهة، كما أحاطه بجرس مهموس خاص يؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى ) ) [1] ؛ ليوحي بالدلالة على الحزن والأسى على هؤلاء، وهذا الإيحاء الصوتي مراد هنا، إذ (( كان البيان القرآني قد اهتم بموسيقى العبارة، وحرص اشد الحرص على تحقيقها ) ) [2] .

ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَلَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [3] . فان للفظة (تمسسه) (( أزيزها الحالم، وصوتها المهموس، ونغمها الرقيق نتيجة لالتقاء حرفي السين متجاورين بما لا تحققه كلمة أخرى تؤدي نفس المعنى ) ) [4] فلهذه اللفظة السينية وحي بالانطفاء والخفوت ما يتناسب مع المعنى.

فان الصوت أعطى دفقا دلاليا مضافا، يحس في عناصر التشكيل وبنائها، ولما كان منبعثا من عناصره فليس إحساسه مقصورا على شخص معين، إنَّما هو مادة دلالية يبصرها الجميع، فكانت لذلك الدلالة الصوتية، بما تعطيه من إيحاء مضاف وثانوي للمعنى ـ دلالة نفسية موضوعية، أي هي مما يمكن أن يشترك في الوقوف عليها اغلب أهل اللغة مادامت منبعثة من عنصر لغوي ثابت يتحسسه الجميع، فيكون تحسس إيحائه جمعيًّا أيضًا.

ب ـ دلالة التضمن ودلالة الالتزام.

يقسم الاصوليون الدلالة بحسبان المعنى على ثلاث دلالات، هي: المطابقة، والتضمن، والالتزام [5] .

ويمثل على ذلك بلفظ (البيت) فان دلالته على كامل معناه هي دلالة المطابقة، ودلالته على السقف أو الجدار هي دلالة التضمن، بحسبان أن البيت يشتمل عليهما، أمَّا دلالة الالتزام فهي ابعد من ذلك، و يمثل لها بدلالة السقف على الحائط، إذ ينتقل الذهن بعد فهم مدلول اللفظ من هذا المدلول إلى لازمه، فلا يخفى أنَّ السقف يستلزم الحائط، غير أنَّ لفظه (السقف) غير موضوع للدلالة عليه لا دلالة تضمنية [6] ، ولا دلالة مباشرة، إنَّما يكون الحائط بالإضافة إلى السقف مرافقا لا ينفك يرافقه [7] ، رفقة دلالية، لذلك فان دلالة الالتزام دلالة غير لفظية (غير مباشرة) ، لأنها تحيل الذهن على ما هو خارج اللفظ ومدلوله على حين تكون دلالة التضمن دلالة لفظية؛ لأنها تتناول جزءا داخلا في مدلول اللفظ [8] .

ولما كانت دلالة التضمن ودلالة الالتزام تحيل إلى تعدد المدلول تعددا (عرفيا) فانها ترتبط بالدلالة النفسية الموضوعية؛ ذلك أنَّها تقوم على أساس من ترجيح المدلول الثاني، أو الانتهاء إليه، مرة من

(1) الصورة الفنية في المثل القرآني / د. محمد حسين علي الصغير 239.

(2) النقد اللغوي عند العرب / د. نعمة رحيم العزاوي 293.

(3) النور /35.

(4) الصورة الفنية في المثل القرآني 240، وينظر. نظرية النقد العربي في ثلاثة محاور متطورة / د. محمد حسين علي الصغير 80.

(5) ينظر. المستصفى من علم الاصول / ابو حامد الغزالي 41 - 42.

(6) ينظر. دراسة المعنى عند الاصوليين 18.

(7) ينظر. المستصفى من علم الاصول 42.

(8) ينظر. دراسة المعنى عند الاصوليين 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت