وانقسام الاستعمال القرآني لهذه اللفظة على قسمين فرح مذموم، وفرح محمود يجعل اللفظة كأنها من الأضداد، أو من النظائر القرآنية التي يفصل بينها السياق، وغاية الكلام الدلالي عليها أنها توحي بان هذا الشعور إن شراً وإن خيراً، إنما يكون معقولا، أي ان الفرح شعور بحسب العقل [1] والعقيدة، لا الهوى والرغبة الشعورية الانفعالية الموقوتة، وكفى بهذا إيحاءً وظلال معنى لهذه اللفظة النفسية.
ويبدو ان كثرة استعمال (الفرح) في سياق الذم وعدم الترخص يضفي على اللفظ ظلالا من العتمة وعدم الارتياح، وكأن الفرح لذة بدينة عاجلة سرعان ما تذهب ولا تترك أثرا في النفس يهذبها ويسير بها في أقطار الكمال وبناء الذات.
(سَرَّ)
الفرح إذا كتم ولم يظهر فهو سرور [2] ،ولا يكون الفرح سرورا إلاَّ بلذة أو نفع [3] .
ومن السرور في القرآن الكريم (3مرات) ، ومثلما انقسم استعمال لفظ الفرح على سياق الذم وسياق المدح، ينقسم استعمال السرور على سياق الجنة والتكريم، وذلك في مرتين، كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا - فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [4] ، وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [5] . وسياق العذاب وذلك في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً - ويَصْلَى سَعِيراً - إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُوراً} [6] . وهذا يعني (( أنَّ سرور الآخرة يضاد سرور الدنيا ) ) [7] ، حيث الغرور والفساد.
و إذا كان الفرح قد غلب في سياق الذم فان السرور على العكس قد غلب في السياق الممدوح، وهذا يجعل دليله اللفظي يتضمن الدلالة على حالة انشراح الصدر بلذة ثابتة تتحول إلى حالة إشراقية تستثمر في قادم الأيام، فان السرور لا ينتهي عطاؤه، إنما يستمر ليكون منبعا لفيض من النماء الفكري والعقيدي والتدرج نحو الكمال الإنساني.
(بَطَرَ)
البَطَر: تجاوز حدود الاعتياد في المرح، ويحمل على البَطْر بمعنى الشق [8] . وهو (( دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها ) ) [9] .
وذكر في القرآن الكريم مرتين، منهما قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [10] . نزلت في المشركين إبَّان بدر، إذ جاءوا الرسول صلى الله عليه وسلم
(1) ينظر. المفردات (اشر) 14.
(2) ينظر. المفردات (سر) 234.
(3) ينظر. الفروق اللغوية 129.
(4) الإنسان /10 - 11.
(5) الإنشقاق /7 - 9.
(6) الإنشقاق /10 - 13.
(7) المفردات 234.
(8) ينظر. المقاييس (بطر) 1/ 262.
(9) المفردات (بطر) 48.
(10) الأنفال /47، وينظر. القصص/ 58