فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 257

وقال تعالى: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [1] .وقف غير واحد من اللغويين والمفسرين عند دلالة (تستأنسوا) على الاستئذان والنظر محاولة للعلم والتعرف بمن في الدار [2] حسب، وخص الزمخشري الدليل اللفظي هذا بقوله (( انه من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش؛ لأن الذي يطرق باب غيره يؤذن له أم لا؟ فهو كالمتوحش من خفاء الحالة عليه، فإذا أذن استأنس، فالمعنى حتى يؤذن لكم ) ) [3] . ومن ثم يتضمن (تستأنسوا) الدلالة على الخوف والقلق. وأخذت الدكتورة عائشة عبد الرحمن قول الزمخشري وإلتفاتته الرائعة، فقالت: (( ان الاستئناس في الآية الكريمة ليس مجرد الاستئذان كما وهم الذين فسروه، وانما هو حسن الإيناس لأهل البيت قبل دخوله و لا يسوغ في ذوق العربية ان يقال ـ مثلا ـ استأنس الشرطي، أو جابي الضرائب، أو الدائن، إنما هو الإستئذان، ليس فيه إيناس، كما لا يسوغ استعمال(آنس) في رؤية عدو، أو نار حريق، أو سماع هزيم رعد وزئير وحش )) [4] .

وقال تعالى في اليتامى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [5] . أي أنكم تستوضحون حالهم وتشاهدونها فتتبينون وتعلمون [6] . انهم عقلوا وتأهلوا للتصرف بأموالهم فتدفعونها إليهم. فالإيناس إلى اليتامى لا بد أن يكون طريقا توصل ـ ولا سيما في سياق الأموال ـ إلى الاطمئنان والتيقن من رشدهم.

وخلاصة القول إنَّ الإيناس لا يقف عند حدود الأبصار أو العلم بظواهر الأُمور الحسية لسن البلوغ إنما يبلغ الاطمئنان الحقيق المنتهى إليه من طريق الابتلاء والامتحان [7] وحسن السلوك. وتوحي (آنستم) بفهم حدود التكليف [8] ، وربما تجاوز ذلك إلى أداء المستحبات.

وبعد فان الدلالات الإيحائية التي ذُكرت تمنع القول بالترادف بين آنس وأبصر الذي فسر به.

(أحسَّ)

الإحساس: الرؤية [9] .

واستعمله القرآن الكريم (4مرات) ، منها قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [10] .

وقيل فيه انه بمعنى رأى [11] ، ووجد [12] ، وعرف [13] ، وظن [14] . ولا يخلو هذا الفعل العلمي من ... دلالة على التحسر والحزن، وان عيسى (( ) قد علم ذلك بالحواس كلها؛ ذلك أنه استعمل فعل الحاسة ولم يحددها، فدل على الاقتناع الفعلي والروحي.

(1) النور/27.

(2) ينظر. معاني القرآن / الفراء 2/ 249.

(3) الكشاف 3/ 59.

(4) الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق 201.

(5) النساء / 6.

(6) ينظر. المفردات (أنس) ، الكشاف 1/ 503، تحفة الأريب بما في القرآن من غريب 38.

(7) ينظر. ظاهرة الترادف في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم / د. طالب محمد الزوبعي 14.

(8) ينظر. لطائف الإشارات 2/ 10.

(9) ينظر. العين (حس) 3/ 15.

(10) آل عمران /52، ينظر. يوسف /87، مريم /98، الأنبياء /12.

(11) ينظر. العين 3/ 15.

(12) ينظر. معاني القرآن / الفراء 1/ 216 - 217.

(13) ينظر. معاني القرآن / الزجاج 1/ 421.

(14) ينظر. معاني القرآن / الأخفش 1/ 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت