عنصر إدهاش. وهذا ما نلحظه في آفاق الاستعمال القرآني، فقد ورد هذا الدليل (69 مرة) [1] .منها قوله تعالى (( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2] . ودلالة(يظنون) على اليقين [3] تضعنا بازاء إدهاش دلالي هو تحول السياق القرآني بدليل الشك إلى دليل على العلم واليقين، مما يشهد أن هؤلاء لاوجود لشك في ساحتهم اتجاه لقاء الله تعالى؛ ذلك ان صار دليل الشك دليلا على اليقين [4] فلم يبق له أثر.
ومع بقاء (يظنون) شكا، فهي (( قوية في دلالتها على مدح هؤلاء الناس الذين يكفي لبعث الخشوع في نفوسهم، واداء الصلاة والاتصاف بالبصر ان يظنوا لقاء ربهم، فكيف يكون حالهم إذا اعتقدوا؟ ) ) [5] ، فيكون استعمال (يظنون) على غاية من الرشاقة الدلالية؛ إذ يتضمن الإشارة الى ما يتطلبه الموقف من (( مجاهدة النفس وحملها على الخير ) ) [6] ، وهذا ما يتطلبه موقف الحرب الذي يسيرون فيه. وثمة ملحظ بياني يشخص هنا يتمثل بالتلازم والاقتران بين فعل الظن المحمول إلى اليقين وبين استعمال (أنَّ) [7] مما يقوي الدلالة اليقينية المستفادة منه.
ويشير الظن إلى الطمع والأمل، فضلا عن الذم، كما في قوله تعالى: {إنمَّا مَثَلُ الحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ ِممَّا يَأكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَمُ حَتَّى إذَآ أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وازَّينَتْ وَظَنَّ أهْلُهَآ أنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَآ أتَهآ أمْرُنا لَيْلاً أوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَهَا حَصِيداً كَأن لَّمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَتِ لِقْومٍ يَتَفَكَّرُونَ} [8] .فهؤلاء (( صاروا في حكم العالمين لفرط طمعهم و أملهم ) ) [9] . وهذا الظن صار علما بحسبان الظانين لا بحسبان الواقع، أي انه علم بالإضافة إلى هؤلاء وما اعتقدوا، وهو وهم بالإضافة إلى ما عليه الواقع.
ومما جاء موحيا قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [10] .يخرج الظن هنا إلى الدلالة على اليقين [11] مع الاحتفاظ بآثار للدلالة على الشك أو التوقع، ليمثل حالة من الارتجاج النفسي، والمشقة البالغة في هذه الحال. وأعلى من هذا إشارة التلازم الدلالي بين اليقين والشك في هذا السياق إلى الحث والميل إلى التراجع، حتى وإن كانت إقامة الحدود مظنونة، فليبادر إلى التراجع، وهذا تستفاد منه لفتة تربوية عالية في ميدان البناء الأُسري والحث على بقائه.
(1) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 439 - 440.
(2) البقرة / 249.
(3) ينظر. العين 8/ 152، تأويل مشكل القرآن 144، معترك الأقران في إعجاز القرآن 2/ 224.
(4) ينظر. الأثر الدلالي لحذف الاسم في القرآن الكريم 179.
(5) من بلاغة القرآن 63.
(6) ابن القيم اللغوي / د. احمد ماهر البقري 317.
(7) ينظر. معاني النحو / د. فاضل السامرائي 1/ 100.
(8) يونس /24.
(9) المفردات 327.
(10) البقرة /230.
(11) ينظر. الوجوه والنظائر في القرآن الكريم 374، تأويل مشكل القرآن 146.