والتوعد ومحاولة جمع القوة والسلاح، والحث على المقاومة وهذه الدلالة المستفادة إنما كانت بمشاركة العناصر السياقية المصاحبة (تولى / أهله / يتمطى) ، إذ يدل (تولى ـ يتمطى) على الغرور والاعتداد بالذات، فيرسم الأداء القرآني لهذا الذاهب (المعارض) صورة من الخيلاء وعدم الإعتداد إلا بذاته، فكأن هذا الذاهب إلى أهله يسبح في الفضاء كبرا و فخرا، فهو قليلا ما يلمس الأرض، منفوش [1] الأعضاء يشغل الطريق كلها، أوانه (يتمطى) وكفى. أما دلالة (أهله) على القوة والنصرة فواضحة. وفي التشكيل الصوتي للبنى المؤتلفة في هذا السياق ما يعزز ذلك، لا سيما التضعيف والمد اللذان غلبا على أصواته، فالتضعيف يقابل حالة من الصراع والضغط على الفطرة، وكذلك التصويت بالمقاطع المغلقة (صل / ول / مط) فانه ينتج عن التقاء اللسان بسقف الحنك بهيأة انحباس كالاختناق، فكأن الفطرة تُخْنَق. أما المقاطع المفتوحة وصوت المد (لا / طا) فتقابل حالة التلاشي الموحي بالتخلي النهائي والتمرد على سياسة الفطرة و إرادتها، وكذلك إيحاؤه الصوتي بتصور حركة الجسم صوتيا وهو يتمدد كبرياء وغرورا إلى علٍ في حركة متكررة؛ ومن ثم فان (تولَّى) و (ذهب) و (يتمطّى) تدل في هذا السياق على التخلي النهائي وتملك الشيطان لهذا الشخص.
(آوى)
الإيواء: التجمع [2] ، والسكن، واللجوء.
واستعمله القرآن الكريم (14مرة) ،منها قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [3] . لا تقف دلالة الإيواء في هذا المورد عند التجمع والموعد، إنما تأوي إلى دلالة على الخوف والسرعة يصحبهما شيء من الأمل والدعاء.
ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [4] . فيوسف (( ) ضم أخاه إلى نفسه [5] وأخذه إليه في جو من الحزن يخالطه الفرح، فيتوافر الإيواء على دلالة مضافة يشترك فيها الاستعمالان (إيواء أهل الكهف / إيواء يوسف (( ) أخاه) هي السرية والقلق طلبا للأمن والعافية، فهو إيواء نفسي عقيدي تطلع فيه العاطفة بدور كبير.
(انقلب)
الانقلاب، يستعمل للدلالة على الانصراف [6] .
واستعمله القرآن المجيد (10مرات) على هذه الدلالة غير ان هنالك تلازما دلاليا مهما في اختيارها القرآني، هو تلازم هذا الدال مع الأهل، فانه لم يخترها إلا مع الرجوع إلى الأهل، يقول تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [7] . وهذا الاختيار يتضمن العبارة إلى النصر والرجوع الآمن الميسور، ولا تخفى العبارة فيه إلى السرعة وتحقيق المراد من الخروج، فكأن في (ينقلب) إيحاء بالبشرى وجلب الخير.
(1) يدل (تمطى) على التبختر، ومد الظهر أثناء المشي / ينظر. المقاييس (مط) 5/ 273، المفردات (مطى) 490.
(2) ينظر. المقاييس (اوى) 1/ 151.
(3) الكهف / 10، وينظر. هود /43، 80، الكهف /16، 63، الأنفال / 26، 72، 74، المؤمنون /50.
(4) يوسف / 69، وينظر. يوسف /99، الأحزاب /51، المعارج /13، الضحى /6.
(5) ينظر. المفردات (آوى) 28.
(6) ينظر. نفسه (قلب) 426.
(7) الفتح /12، وينظر. التوبة /95، يوسف /62، الملك /4، الانشقاق /9.