فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 257

وبه فسر قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} [1] . تضاف إلى السير في هذا السياق الدلالة على النظر [2] ، نظر الاعتبار. ولا يخلو سير عبر عنه بـ (نقبوا) من إشارة إلى الطواف [3] والتباعد [4] والإكثار من السير الدائري، والتأمل، وربما يشير هذا الدليل إلى السؤال والإحساس بالنهاية.

الثالث: الانتقال.

(ذهب)

أُستعمل لفظ الذهاب في القرآن الكريم (48مرة) [5] ، كان في اغلبها مصحوبا بقصد عقيدي، أو ممثلا لهذا القصد، فجاء فعله على دلالته المعروفة (17مرة) ، كما في قوله تعالى على لسان يعقوب (( ) : {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} [6] . إذ يدل على الحركة والانتقال المكاني، وربما اكتسب من اقترانه الدلالي بـ (تحسسوا) دلالة على الانتشار والتفرق؛ لأجل الإلمام بخبر يوسف (( ) وأخيه. أما دلالته على الدفع أو المد اليقيني فيكتسبها من النهي عن اليأس من روح الله تعالى. فكأن في قوله (اذهبوا) مدا يقينيا وحشدا لعاطفة الاخوة، ذلك ان تهييج هذه العاطفة وتدعيمها بحشد من اليقين يجعل (البحث / التحسس) دقيقا صارا لهفا. ويمنح السياق العاطفي هذا الدليل إشارة إلى الدعاء، لا سيما ان الآمر بالذهاب هو أب نبي، فيجيء هذا الدليل مشحونا بالدعاء وفيض من الأمل.

ولا يخلو استعماله للدلالة على هذا المعنى من توافره على دلالة مضافة يجتبيها له السياق الكلامي، ففي سياق دعوة موسى (( ) واصطفائه على بني إسرائيل، يقول تعالى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي - اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [7] . يحمل (اذهب) دلالة على الحركة التغييرية الإصلاحية، فأتى ممثلا للعمل العقيدي المنظم، فكان محشوا بالدلالة على القوة والعزم.

ولعل في تسجيل هذه الدلالة المرافقة لهذا الدال تمهيدا للوصول إلى دلالة نفسية ابعد، فان فعل الذهاب لا يفارق في السياق القرآني الدلالة الإشارية، وهذا ان دل فعلى هيمنة هذه الدلالة الإيحائية عليه، وأنها لا تمثل حسا أو شعورا فرديا إزاء هذا الاستعمال بقدر ما تمثل فرضا سياقيا، ولعل في هذا أيضا ما يدعو إلى القول بالتطور الدلالي الذي أصاب استعمال هذا الدال، ذلك ان دلالته أصبحت مخصوصة بالخطاب القرآني المعجز.

وجاء في سياق الإعراض، حكاية لكفر الوليد بن المغيرة [8] وعناده، كما في قوله تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى - وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى - ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} [9] . ان (ذهب) تستفاد منه الدلالة على التدبير

(1) ق /36.

(2) ينظر. العين 5/ 180.

(3) ينظر. مجاز القرآن 2/ 224.

(4) ينظر. معاني القرآن / الفراء 3/ 79 -80، مجاز القرآن 2/ 224.

(5) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 376 - 377.

(6) يوسف /87،وينظر. يوسف /17، النور /62، الأحزاب /20، التكوير /26.

(7) طه /42 - 43، وينظر. طه /24، الفرقان /36، الشعراء /15، الصافات /99، النازعات /17.

(8) ينظر. أسباب النزول 210.

(9) القيامة / 31 -33، وينظر. المائدة /24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت