فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 257

وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [1] . فيشترك (جاءوا) مع المكونات الدلالية الأخرى في إنتاج الدلالة على كذب الأخوة، فيوحي تصوير قدومهم بـ (جاءوا) بالتواني والتماهل وشيء من الخوف والرهبة، واما عدم الاهتمام بما حدث وتهوينه فمما يصاحب تصويرهم بالتواني، فلو أنَّ الذئب أكل أخاهم لرجعوا إلى أبيهم مهرولين نادبين، غير أنهم لما كادوا ليوسف (( ) اختير فعل المجيء ليصف إخبارهم أنَّ أكله الذئب كذب هذا من جهة ومن ثانية أنهم أظهروا التواني وعدم السرعة رغبة في التدليس على أبيهم (( ) انهم قد اغتموا على أخيهم، أو تعبوا من لعبهم الذي ذكروه. المهم ان تصوير الرجوع على هذه الحال يشهد على كذبهم وخيانتهم، فجاءت الدلالة على ذلك من طريق الإشارة والإيحاء بالرمز اللغوي الأنسب لاظهار ذلك.

(أتى)

فُسر الإتيان بالمجيء [2] ، وقد تخص به الدلالة على المجيء بشيء [3] ، أو مجيء المعاني [4] .ومن اللغويين من جعل الإتيان فرع على المجيء يتضمن الدلالة على السهولة [5] في المجيء.

وأتى هذا اللفظ في الخطاب العزيز (53 مرة) مع الأعيان والإنسان [6] . وقد كنت نوهت على فرق دلالي بين المجيء والإتيان هذا محل توضيحه وتوظيفه دلالة نفسية لهذين اللفظين في الأداء القرآني، أعود إلى قوله تعالى {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [7] . منهم من ساوى بين (أتى) ، و (جاء) في هذه الآية [8] . ومنهم من وقف عند بلاغة التكرار فرقا بين الاستعمالين [9] . والحق ان الذوق اللغوي يأبى القول انهما على دلالة واحدة، لا سيما عند استعمالهما في اللغة العالية، بدا ان الإتيان مجيء سريع كالمرور، وربما هو أول المجيء، فكأنه في استعمال (أتى) أراد التنبيه على الزمن أكثر من اللفت إلى الحدث بعينه، أما استعمال (جاء) فيحكي الدلالة على الحلول والإقامة والعمل وتحمل المسؤولية والمعاشرة.

ويظهر الفرق الدلالي الذي أريده دلالة ثانية لهذين الاستعمالين في الاختيار المعجز عندما يقارن بينهما في سياق قريب، وأجده سياق قصة موسى (( ) ، إذ يقول تعالى: {وَهَلْ أَتَكَ حَدِيثُ مُوسَى - إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى - فَلَمَّا أَتَهَا نُودِي يَامُوسَى - إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى - وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى - إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلوَةَ لِذِكْرِي} [10] .وقال تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ - فَلَمَّا

(1) يوسف /16 - 17.

(2) ينظر. تحفة الأريب 39، معترك الأقران 1/ 526.

(3) ينظر. الفروق في اللغة 255.

(4) ينظر. المفردات (أتى) 8.

(5) ينظر. المفردات (جيأ) 102، لمسات بيانية في نصوص من التنزيل 74 - 79.

(6) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 4 - 7.

(7) الأعراف /129.

(8) ينظر. ظاهرة الترادف في ضوء التفسير البياني للقران الكريم 50.

(9) ينظر. الكشاف 3/ 200.

(10) طه / 9 - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت