فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 257

الأول: الإقبال

(جاء)

يستعمل للدلالة على قدوم الأعيان [1] والجواهر [2] ، أي كل ما هو مادي محسوس [3] قابل للانتقال والمكان. وكذلك يعبر به عن مجيء المعاني [4] .

لم يستعمل القرآن الكريم منه إلا الفعل الماضي، وذلك في (286مرة) [5] ، كان منها مع حركة الإنسان (104مرة) ، غلبت عليها في السياق القرآني مصاحبة الدلالة على التروي والمكث، ومن ثم التأمل ومحاولة استنشاق المستقبل محاولة للتغيير والإصلاح؛ ذلك أن استعماله شاع في سياق العقيدة، حيث الدعوة والرسل والبينات، كما في قوله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ - قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [6] . فلما تحققت دعوة موسى (( ) وبعث سمى قدومه مجيئا، على حين كان في انتظاره وتوقع القدوم إتيانا، فيبدو من استعماله الاثنين هنا (تأتينا / جئتنا) أنْ ثمة فرق دلالي لطيف بين اللفظين؛ ذلك أنه خص مرحلة الدعوة وممارستها ووجوده بينهم بفعل المجئ وكأنه يتضمن الإشارة إلى التغيير والقصد ومكابدة الدعوة، فضلا عن تضمنه الإشارة إلى النشاط الفكري والاستثمار الفعال للنشاط الحركي والبدني أيضا في طريق الله تعالى، وهذا ما لا يتكفل فعل الإتيان الدلالة عليه، لذا خص به مرحلة التوقع والترقب وعدم بعث الرسول فيهم.

ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [7] . يستفاد من (جاء) في هذا السياق الإفاضة إلى معنى القصد والرغبة، والوعي والدراية في الدين وتمثله استعدادا لأداء الفروض، فيلازم النشاط الفكري والوعي الذهني هذا اللفظ.

ولم يكن هذا اللفظ ليسلم من إشارة إلى العقيدة وان استعمل في سياق اجتماعي عاطفي، كما في سياق قصة موسى (( ) لما وصل ماء مدين وسقى لابنتي شعيب (( ) يقول تعالى {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [8] . فيحفز الإدهاش إلى دلالته في هذا السياق، ويصحبه التطمين والارتياح والاستقرار.

وقريب من هذا مجيؤه في سياق قصة يوسف (( ) وذلك في كلامه تعالى على اخوته، إذ يقول: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ - قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا

(1) ينظر. المفردات (جيأ) 102.

(2) ينظر. الإتقان 2/ 307.

(3) ينظر. ظاهرة الترادف في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم 50

(4) ينظر. المفردات 102.

(5) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 187 - 191.

(6) الأعراف /128 - 129.

(7) الممتحنة /12، وينظر. النساء /64، طه 40، النمل /8، الحجرات /6، الممتحنة /10، عبس /2، 8.

(8) القصص /25، وينظر. مريم /27، النمل /42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت