فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 257

تعالى بعد ذلك: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا} [1] . والخوف [2] والتواصي على عدم الإظهار ظاهرة على هذا الاستعمال. واظهر منها دلالته على تناسي الكفر والإصرار على تهافت العقل، وعدم استثمار معطيات الموقف التي لا يناسبها ألا الصمت عضا على الأيدي.

(رِكزا)

الرِّكز: الصوت الخفي [3] .

وجاء في القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [4] . سأل الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام سؤال استعبار وتفكر لقومه كي يستعبروا من خلال الأمم السالفة، فيهافت في حالهم، ويسأل عن جسومهم وأصواتهم، أخفى أصواتهم (أو تسمع لهم ركزا) ، ويبقى الركز موحيا بالحركة، أو الزفير.

(همسا)

الهمس: صوت مخصوص بما يصدر عن أخفاف الإبل عند مشيها [5] . وهو صوت خفي [6] . و على هاتين الدلالتين فسر قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا - فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا - لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا - يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا} [7] . فقيل إنَّ (همسا) أخفى ما يسمع من نقل الأقدام إلى المحشر [8] ، أوهو إخفاء الصوت [9] والركز [10] به. ولا يخفى ان السياق لا يفاضل بين الدلالتين، إلا أنه يحيل إلى تدرج بيِّن، فقد بدأ بأصوات المجرمين المحشورين إلى النار، وذلك قوله تعالى (يتخافتون) ، ومن ثم وصف أصوات المؤمنين ـ على الأرجح ـ وذلك قوله تعالى (خشعت الأصوات) ، والآن لم تبق أصوات إبان هذا المشهد سوى أصوات الماشين (المهموسة) التي تثيرها أقدامهم، وهذا التدرج ليس يمنع ان يكون (همسا) دالا على صوت صادر عن الأفواه، فلا استبعد أن يحتوي الدلالة على همس الإقدام وهمس الكلام، أو تردد الأنفاس في الصدور خوفا وترقبا، أو هو صوت الزفير بحشرجة وتردد وتنهد. ولما كانت (همسا) لأهل المحشر عامة، فربما تشير إلى أصوات (التسبيح) من أفواه العارفين، فإن لصوته في حشرهم هيمنة وحضور، لاسيما إذا أخذ لها طابع السرعة والتكرار فإن ما يطغى من أصواته السين مما يؤدي صوتا ذائبا خفيفا، ويبدو أنه ما عبَّر عنه في الآية الكريمة بالهمس.

(خشوع الصوت)

كثيرا ما يفسر الخشوع بالخضوع [11] . غير أن بينهما فرقا شائقا، فالخشوع من الخضوع (( إلا أنَّ الخضوع في البدن، وهو الإقرار بالاستخدام، والخشوع في البدن، والصوت، والبصر ) ) [12] . وخص الخشوع بالكلام، ومارافقه الخوف من دون تكلف، أما الخضوع فلا يلازمه الخوف وقد يتكلفه الإنسان، وكلاهما فعل قلبي، على أن الخشوع إلى القلب أقرب، ولا يكون إلا بإيمان صادق بعظمة من يخشع له [13] . وليس لي إلا الخشوع والخضوع أمام هذا التفريق الدلالي الكبير الذي يحكي عظمة لغة القرآن.

وقد استعمل القرآن الكريم (الخشوع) مع الصوت مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: {وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [14] . ومن معانيها في هذا السياق الأخروي الذي يؤذن بالانتهاء، السكون [15] والذل [16] وخفوت [17] ، أو إخفاء [18] ٍ الأصوات إبان هذا المشهد المهيب.

ويستفاد من سياق استعمالها الدلالة على حسن الصوت، فضلا عن إشارتها إلى التكلم بكلام مخصوص، كلام تعبدي، كأنه التسبيح أو التكبير، أو التهليل، أو كله معا، أو هو الدعاء والضراعة [19] في أوج حالات الشد الدعائي التي يكون فيها الصوت حزينا مشحونا بالتفاؤل. ويتواضع الكلام في حضرة رنة الروح والجوارح الدعائية.

وتخشع إشارة هذا الاستعمال إلى حد تصل معه إلى تصوير القرآن الكريم لهذه الأصوات أو الكلمات وكأنها اغرورقت بالدموع، فهي سابحة بلون الدمع وتأخذ هيأته، أي أن خشوع الصوت يرمز إلى البكاء [20] والتجاوب الروحي مع ما يقال، فضلا عن تشخيص الأصوات تشخيصا فنيا، بتصويرها أُناسا خاشعين؛ فإن هذه الأصوات ليست محض تصويتات لسانية إنما هي صدى حشر تجاوبي دعائي قلبي؛ ذلك أن القلب هو مركز الخشوع كله، فلما يخشع القلب تخشع الجوارح [21] كلها، ويليق بالصوت عندئذ أن يأتي خاشعا راكعا ساجدا متأملا في الآفاق ... والأنفس.

(خضوع الصوت)

الخضوع: الذل والتطامن، والتوصيت لا سيما لينه، وربما دل على صوت مخصوص بالحرب، أو على غبارها [22] .

ومنه قوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [23] . وفسر الخضوع هنا بتليين القول [24] والخشوع [25] . ويبدو أن هذه اللفظة لا تخضع إلى دلالة

(1) طه /104.

(2) ينظر. الكشاف 2/ 553،مشاهد القيامة في القرآن/ سيد قطب 105 - 106.

(3) ينظر. المخصص 2/ 137.

(4) مريم /98.

(5) ينظر. اللسان (همس) 6/ 250.

(6) ينظر. المخصص 2/ 138.

(7) طه /106 -108.

(8) ينظر. المفردات (همس) 544، الكشاف 2/ 554، اللسان 6/ 250.

(9) ينظر. مجاز القرآن 2/ 30 معاني القرآن 2/ 192، اللسان 6/ 250.

(10) ينظر. الكشاف 2/ 554.

(11) ينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 541، مفتاح الفلاح في شرح دعاء الصباح /محمد كلانتر79.

(12) العين (خشع) 1/ 112، وينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 541.

(13) ينظر. الفروق في اللغوية 206، الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق 209 - 211.

(14) طه /108.

(15) ينظر. العين (خشع) 1/ 112،مشاهد القيامة في القرآن 106.

(16) ينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 542.

(17) ينظر. الكشاف 2/ 554.

(18) ينظر. المعجم الجامع (خشع) 130.

(19) فسر الخشوع بالضراعة / ينظر: المفردات (خشع) 149.

(20) في شرح دعاء الإمام علي (( ) : (( واغترس اللهم بعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع ) )قيل: (( ثبت في قلبي بعظمتك، وجلالك عيون التذلل، والخشوع والتضرع، واجدها في نياط قلبي حتى أكون دوما باكيًا، ودمعي لأجلك جاريا ) )/ مفتاح الفلاح في شرح دعاء الصباح80.

(21) يقال (( إذا ضرع القلب خشعت الجوارح ) )المفردات 149.

(22) ينظر. المقاييس (خضع) 2/ 189 -191.

(23) الأحزاب /32.

(24) ينظر. معاني القرآن / الفراء 2/ 342، الفروق في اللغة 206، لطائف الإشارات 5/ 160

(25) ينظر. المفردات (خضع) 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت