فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 257

فان المنهج السياقي ( contextual approach) في دراسة المعنى، لا سيما عند فيرث ( Firth) يشترط النظر إلى المعنى من خلال سياق الحالة [1] ، أو الظرف [2] ، أي السياق الذي يتشكل فيه الحدث الكلامي [3] ، فتتأكد الوظيفة الاجتماعية للغة [4] ؛ إذ يحتوي السياق على (( الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة ... كما ينبغي أن يشمل ـ بوجه من الوجوه ـ كل ما يتصل بالكلمة من ظروف وملابسات ) ) [5] فالمعنى بحسب مفهوم السياق الواسع هو الاستعمال [6] أو المقام [7] ؛ ذلك أن (( معنى المقال بحاجة إلى معنى المقام ... الذي يضم القرائن الحالية إلى ما في السياق من قرائن مقالية ) ) [8] فينشأ المعنى الاجتماعي الدلالي [9] .

ويشترط أيضا بحسب نظرية السياق النظر إلى دلالة الألفاظ من خلال توزيعها اللغوي، أي تسييقها في سياقات متعددة، ومن هنا فان (( دراسة معاني الكلمات تتطلب تحليلا للسياقات والمواقف التي ترد فيها ) ) [10] فمعناها (( لا ينكشف إلاَّ من خلال تسييق الوحدة اللغوية، أي وضعها في سياقات مختلفة ) ) [11] . وهذا يعني أن (( معنى الوحدة الكلامية يعتمد بشكل جوهري على السياق ) ) [12] .غير أنَّ ثمة مشكلا يقع هنا لدى الباحثين هو (( مسألة الفصل بين السياق اللفظي والسياق الاجتماعي، فقد عبروا عن ذلك الفصل بان جعلوا السياق ينقسم على عناصر لغوية وعناصر غير لغوية [13] ، وبهذا فقد نأوا عن الصواب، حيث قاموا بتشقيق العملية اللغوية وهي واحدة، فلا توجد في هذه العملية عناصر لغوية وأخر غير لغوية، بل كل العناصر المكونة لها هي عناصر لغوية، ومنهم من نأى كثيرا فانقسمت العملية اللغوية بين يديه على سياق لغوي وسياق

غير لغوي [14] . وكل هذا لا يكون ولا يمكن له أن يكون، فالعملية اللغوية تتكون ـ وهي واحدة ـ من عنصرين أساسين هما: عناصر الأداء الكلامي، أي الألفاظ، وعناصر الحدث الكلامي أو الموقف الكلامي، أي أنَّ عناصر الأداء التي تتشكل في سياق منتظم هو السياق اللفظي تتشكل في سياق آخر أوسع من هذا السياق، هو السياق الاجتماعي، فينتهي الأمر إلى سياق شامل مكون من عناصر لفظية متساوقة صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، وعناصر ليست لفظية، لكنها لغوية، وهذه هي المسألة الأهم في الدرس الدلالي، إذ يجب عد كل ما يشترك في التوصيل الدلالي لغويا، وهذه العناصر اللغوية غير اللفظية تشتمل على كل ما يحويه الموقف الكلامي من المتكلم، والسامع، أو السامعين، والمكان، وما فيه من بواعث انفعالية أو مظاهر محفزة على المحاكاة مؤثرة في الاختيار اللفظي، وحيث الزمن فانه لا يتخلى عن الأثر في السمات اللفظية، وحتى التركيبية، فضلا عن البواعث النفسية لكل من المتكلم والسامع )) [15] .

(1) ينظر. علم الدلالة / بالمر 61، نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث / د. نهاد الموسى 85 - 86.

(2) ينظر. اللغة والمعنى والسياق 228 - 240.

(3) ينظر. فقه اللغة في الكتب العربية / د. عبده الراجحي 167.

(4) ينظر. علم الدالة (عمر) 68، علم اللغة الاجتماعي / د. هدسن 19، دراسة المعنى عند الاصوليين / د. طاهر سليمان حمودة 213.

(5) دور الكلمة في اللغة 57.

(6) ينظر. علم الدلالة (عمر) 68.

(7) ينظر. علم الدلالة / بالمر 66، ظلال المعنى بين الدراسات التراثية وعلم اللغة الحديث/ د. على زوين ـ آفاق عربية ـ ع 5 ـ1990/ 81.

(8) اللغة العربية معناها ومبناها / د. تمام حسان 42، وينظر. اللغة بين المعيارية والوصفية / د. تمام حسان 123.

(9) ينظر. مناهج البحث في اللغة227، السياق في الفكر اللغوي عند العرب / د. صاب أبو جناح / الاقلام ع 3 ـ 4 ـ 1992/ 116.

(10) علم الدلالة (عمر) 69.

(11) نفسه 68.

(12) اللغة والمعنى والسياق 215.

(13) دور الكلمة في اللغة 55، مفهوم المعنى / د. عزمي اسلام 53،دراسة المعنى عند الأصوليين 314، السياق في الفكر اللغوي عند العرب 117.

(14) ينظر. التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن الكريم / عودة خليل أبو عودة 69 - 70.

(15) الاثر الدلالي لحذف الاسم في القرآن الكريم 11 - 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت