أما النظرية السلوكية أو النفسية في التحليل الدلالي، فانها تؤكد الحضور النفسي في طلب المعنى بشكل كبير، إذ (( تركز النظرية السلوكية على ما يستلزمه استعمال اللغة(في الاتصال) وتعطي اهتماما للجانب الممكن ملاحظته علانية ... وتطبيق ذلك على اللغة يعني التركيز على الأحداث الممكن ملاحظتها وتسجيلها، و على علاقتها بالموقف المباشر الذي يتم إنتاجها فيه )) [1] .
وارتبط التكوين الأولي للمفهوم السلوكي للمعنى، أو ما يسمى بـ (( علم الدلالة السلوكي ) )بأن وظيفة الكلمة في اللغة هي خلق استجابات على نحو مما تفعله الأشياء التي تأتي الكلمات بدائل لفظية عنها [2] ، والوصول تدريجيا من خلال هذه الاستجابات إلى صياغة متآلفة تحقق الركون (المستقر) إلى غائية الحدث اللغوي، وربط ذلك بالمرجعية الإثارية ـ الاستجابية التي ينبني عليها الحدث ذاته، فيأتي المعنى استجابة ذهنية لاستجابة لفظية يسبقها مثير أو منبه واقعي.
وفي تقييم علم الدلالة السلوكي يمكن القول إنَّ ما يندرج تحته من نظريات لم تظهر كفاءتها التامة في التعامل مع الحدث اللغوي وتحليل المعنى؛ ذلك أنَّها اقتصرت على تفسير المعنى وتحليله من حيث ما يمكن ملاحظته والتعامل معه بعده مثيرا، على حين يشتمل السلوك اللغوي ـ فضلا عن التفوهات (الألفاظ) المقترنة بالمنبه أو المثير ـ على تفوهات اكثر لا تبدو مقيدة بمنبه [3] ما، وهذا مما يضعف علم الدلالة السلوكي، ويحد من دوره في دراسة المعنى.
واكبر من هذا أنَّها تخضع المعنى إلى عامل (الميل) لدى السامع، فانها تحيل إلى معان متعددة للكلمة، يكون الميل هو المتحكم في الركون إلى أحدها، ومن ثم قد يحصل خلاف ما يريده المتكلم؛ ذلك انه لا يقدر على التحكم بميل السامع [4] فيكون المعنى عائما، بعيداّ عن دواعي الاستقرار. نعم قد يكون إخضاعه إلى الميل المؤدي إلى التعدد ممكنًا في اللغة المكتوبة، مع مراعاة عدم الانقلاب على المعنى.
يتجاذب الظاهرة اللغوية ـ بعد آن قامت على ثنائية الدال والمدلول - موقفان هما الحضور والغياب، إذ يقوم الدال بالتعبير عن الحضور ويمثل المدلول موقف الغياب [5] فيها؛ لأن المدلول ليس سوى تصور ذهني [6] في تشكل اللغة وبعدها الثاني، فهو متجذر في (ما وراء) اللغة، ومن ثم (( فلا يمثل الدال(الحاضر) سوى محفز لغوي يحفز المرسل إليه على استدعاء التصور الذهني (الغائب / المدلول) ، وعلى مدى نجاح الدال في إحضار هذا الغائب يتوقف فهم العملية اللغوية فهما أوليا يمهد للفهم الدلالي الأوسع القائم على استدعاء التصور الذهني (العلاقة بين الدال والمدلول) ، واستدعاء السياق اللفظي بكامل مكوناته الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية، والسياق الاجتماعي بكامل ملابساته النفسية والعاطفية والثقافية والتاريخية ... أي استدعاء السياق اللغوي الادائي، اللفظي والاجتماعي، لينتج عن كل هذا المعنى الدلالي )) [7] ، إذ ينبغي التعامل مع الوظيفة اللغوية على أساس من انتمائها إلى سياقين: هما السياق اللفظي والسياق الاجتماعي، يأتلفان في إطار واحد يتشكل بهما المعنى. ولا يفوت هنا أن يلاحظ أنَّ العلاقة بين هذين السياقين علاقة تضمنية بمعنى أنَّ السياق الاجتماعي يتضمن السياق اللفظي، فيكون الأول أصلا فرعه سياق اللفظ، فلا يخلو سياق لفظي ما من رجوعه إلى هذا السياق الأصل أو الرئيس الذي يجسد سياق الحدث الكلامي فيرسم أو يختار مقوماته اللفظية وابعاده الدلالية؛ و من ثم يكون السياق الاجتماعي سياقًا مركبًا في ذاته من اللفظ والموقف؛ فينشأ السياق اللغوي الدلالي المركب في ذاته من اللفظ وسياق الموقف الاجتماعي، وهذا ما يضمن للغة وظيفتها الاجتماعية [8] و آفاقها النفسية.
(1) علم الدلالة (عمر) 59 - 60.
(2) ينظر. علم الدلالة السلوكي (الفصل الخامس من كتاب علم الدلالة) / جون لا ينز 64 - 65.
(3) ينظر. علم الدلالة السلوكي 82 - 89.
(4) ينظر. منهج البحث اللغوي 183.
(5) ينظر. القصيدة والنقد: سلطة النص ام سلطة القراءة / مهرجان المربد الشعري الثامن / فاضل ثامر 7.
(6) ينظر. دور الكلمة في اللغة 62 - 63، علم الدلالة / جون لاينز 15.
(7) الاثر الدلالي لحذف الاسم في القرآن الكريم 9.
(8) ينظر. الأثر الدلالي لحذف الاسم في القرآن الكريم 11 - 12.