(فتى)
الفتوة: طراوة الشباب [1] ونعومته في الذكر والأنثى.
وجاءت في القرآن الكريم على استعمالات متعددة يشدها رباط العقيدة والفكر، وذلك في (10مرات) ، فقد كنى به عن يوسف (( ) عندما راودته التي هو في بيتها، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [2] ، يبدو انه أريد بهذا الاستعمال أن يريأ بيوسف (( ) عن وصف العبد [3] ، ولكنه أراد أيضًا أن ينبه على أنَّ النسوة يغمزن بـ (فتاها) هذه المرأة، فأردن الإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليها، فقلن (فتاها) بإضافته إليها. وكذلك صغر منزلته في الارتفاع بيوسف (( ) عن منزلة العبيد والموالي، وإرادة النسوة تأكيد هذا المعنى له تقريعا وازدراء بامرأة العزيز وذلك ما يعززه قولهن (امرأة العزيز) [4] .
ولا يخلو استعمال (فتاها) على لسان النسوة من إشارة إلى توقع قبح المنظر، وربما أردن استثمار أنه (عبد = مولى) ، فيكون من هكذا وظيفته خلق الثياب، وسخ البدن، وما يشهد بهذا الإيحاء أنهن لم يرين يوسف (( ) من قبل فلما رأينه أكبرنه وعذرن المرأة في مراودتها إياه.
هذه دلالة (الفتى) بمنظار النسوة أما دلالتها بمنظار آخر، فعلى الفطرة والتمثل الحي والواعي للضوابط الاجتماعية، والحياء، والأمانة، وهذا ما تضمنه السياق الاجتماعي، يقول تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [5] .
ونلحظ في السياق مهادنة دلالية بين القبح والوسامة، فالواقع يطلب الدلالة على الوسامة والبهاء، على حين يطلب النسوة الدلالة على القبح، لأنهن في موقف المعيب المكيد المستهزيء.
وقريب من هذا استعمال (فتيات) كما في قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [6] . كناية عن الإماء؛ وذلك إثارة لعاطفة هؤلاء وحثهم على عدم امتهان إمائهم، فاظهرهن بمظهر الفتيات / البنات، منبها على صغرهن وضعفهن وبهائهن الذي يذهب البغاء به، واكبر من هذا انه نبه بـ (فتياتكم) على إيمانهن وآية ذلك انه قال (ولا تكرهوا) .
ويتصاعد الإيحاء العقيدي من هذا اللفظ في قصة أهل الكهف، وذلك في قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا - ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا - نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [7] .فالسياق يقضى ان يكون هؤلاء الفتية على عقل وإلمام متكامل بعقيدة الفطرة الحقَّة، والقوة والعزم وحسن التدبير تبقى من تجليات هذا التعبير؛ فإن (الفتية) على نشاط فكري وحركي أوصلهم إلى الكهف حفاظا على الدين الذي آمنوا به فقد وسمهم بالفتوة (( لأنهم آمنوا ـ على الوهلة ـ بربهم، آمنوا من غير مهلة لما أتتهم دواعي الوصلة. ويقال فتية لأنهم قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى
(1) ينظر. المفردات (فتى) 386.
(2) يوسف /30، وينظر. يوسف /36، 62.
(3) يكنى بالفتى عن العبد والامة، ينظر. المفردات 386، تفسير المراغي 12/ 138.
(4) ينظر. تفسير المراغي 12/ 138.
(5) يوسف / 23.
(6) النور / 33، وينظر. النساء /25.
(7) الكهف /10 - 13، وينظر. الأنبياء /60، الكهف / 60، 62.