الثاني: ألفاظ اللباس العامة (الدنيا والآخرة)
(ثياب)
الثوب، والثياب، والأثواب: ما يلبسه الإنسان، فيستر به عورته وعامة بدنه.
ولم تأت في الاختيار القرآني إلا مجموعة، وذلك في (8مرات) وقد انقسم استعمالها على سياقين: سياق الدنيا وسياق الآخرة، أما في سياق الدنيا فقد جاءت (5مرات) ، منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [1] ،واشارة (الثياب) إلى النفس [2] ، والقلب [3] ، والبدن [4] وربما تكون إشارته إلى الأهل يطهرهم بالوعظ [5] والدين.
فقد يقال: طاهر الثياب، ويراد بها النفس ونقاؤها من المعايب ودنس الأخلاق.
وعبروا بالثياب عن القلب. يقول عنترة: [6]
فشككت بالرمح الأصمَّ ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمُحَرَّمِ
وهذا الاستعمال القرآني قريب من قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [7] . فإرادة التطهير هنا إرادة تكوينية لا تشريعية، يشير بها تعالى إلى العصمة والولاية، فتكون الطهارة عامة تتناسب مع من اختير رسولا خاتما، ذلك (( ان الغالب ان من طهر باطنه ونقاه عنى بتطهير الظاهر وتنقيته وأبى إلا اجتناب الخبث وإيثار الطهر في كل شيء ) ) [8] . فيكون حمل اللفظ على دلالته الثانية مستوفيا الدلالة الأولى، أما (طهر) فإنها بحسب الدلالة المادية (الأولى) تحتمل الإشارة إلى تقصير الثياب ولا يخفى أنَّ ذلك يضمن شيئا من طهارتها [9] ونظافتها.
وانقسمت في سياق الآخرة، وهو سياق استعمالها الثاني، على قسمين: الأول، الثواب، والثاني العقاب، فكانت مع الثواب في مرتين، وذلك قوله تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [10] . إنَّ قوله تعالى (عاليهم) يجعل (الثياب) مشيرة إلى الترف والسعة وحسن الهيأة، أي أنها تناسب أبدانهم خير مناسبة، ولا تُغفل الإشارة إلى الطول والجمع، أي انهم يلبسون ثوبا على ثوب لارادة النعيم والزينة، وينبغي التنبيه هنا على ان جمعهم ثيابا متعددة لا يعني ان الثياب تغطي بعضها بعضا، فان ذلك خلاف الحكمة والغرض من تعددها، فالثياب على الرغم من جمعها يبقى استثمارها الجمالي جميعا في هذا المقام.
(1) المدثر /1 - 4، وينظر. هود /5، النور /58، 60، نوح /7.
(2) ينظر. المقاييس (ثوب) 1/ 395، تأويل مشكل القرآن 107،المفردات (ثوب) 80، الكشاف 4/ 181.
(3) ينظر. إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم 98، المثل السائر / ابن الأثير 1/ 32، 2/ 195، لطائف الإشارات 6/ 216.
(4) ينظر. فنون التصوير البياني /د. توفيق الفيل 178.
(5) ينظر. لطائف الإشارات 6/ 216.
(6) ديوان عنترة 26، وينظر. المثل السائر 2/ 195.
(7) الأحزاب / 33.
(8) الكشاف 4/ 181.
(9) ينظر. الكشاف 4/ 181.
(10) الإنسان / 21، وينظر. الكهف /31.