بعيد عن استعمال (بعولتهن) [1] في هذا السياق، ولعله (( ذكر الزينة دون موقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر، لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر اليها لغير هؤلاء ) ) [2] .
و إذا كانت إشارة (الجنس) في الآية السابقة انما كانت بوحي من اقترانها الدلالي بـ (بعولتهن) فانها تكون بوحي من مطلق السياق في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [3] . فقد جاء اللفظ في الآية المباركة لارادة العموم وهذا ما يجعله موحيا بالثياب والمال [4] ، وغير ذلك من لذائذ الدنيا التي يطلبها جنس النساء.
وجاء هذا الاستعمال مرة واحدة في سياق العبادة، وذلك قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [5] . فقيل في (الزينة) انها الثياب [6] ، والطيب والمشط، أو السلاح [7] ، ويظهر ان صرفها إلى الدلالة على السلاح كان بسبب من استحضار سياق آخر، هو قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [8] .
ومع ذلك يبقى (السلاح) من قبيل الدلالة النفسية لهذا الاستعمال. ولا أستطيع ان اقف بدلالة (زينتكم) عند حد في هذا السياق العبادي، فهي توحي بما ذكر وتوحي أيضا بصرف الهمة والنشاط إلى العبادة واداء الفريضة [9] .ويوحي أيضا بالطهارة، والنية، وتجنب الرياء، وغير ذلك من المعاني العرفانية التي تتناسب مع هذا المقام، وربما توحي بالتصدق، والسلام على المصلين، والخشوع الباكي.
(هديَّة)
الهدية: ما يتبادل بين الناس من أشياء عينية يدافع من الحب [10] أو رغبة في شيء.
وذكرت في القرآن الكريم مرتين في سياق واحد، هو قصة سليمان (( ) مع ملكة سبأ، وذلك في قوله تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون - وانِّي مُرسِلَةٍ إليهم بهديَّةٍ فَنَاظِرَةً بم يرجِعُ المُرسَلُونَ - فلمَّا جآءَ سُلَيمَنَ قَالَ أتمدُّننِ بمال فمآ آتنِ اللهُ خير مِّمَّا آتَكُم بَل أنتُم بِهَديَّتِكُم تَفَرَحُونَ} [11] . قيل في
(1) مر الكلام على إشارتها الأقوى إلى المباشرة.
(2) الكشاف 3/ 61.
(3) الأحزاب /28، وينظر. هود /15، القصص /60.
(4) ينظر. الكشاف 3/ 258.
(5) الأعراف /31.
(6) ينظر. الكشاف 2/ 76.
(7) ينظر. الكشاف2/ 76.
(8) النساء/102.
(9) ينظر. لطائف الإشارات 2/ 225، التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق 140.
(10) ينظر. مختار الصحاح (هدى) 693.
(11) النمل /34 - 36.