أما دلالته على الفقر المادي فمنها قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [1] . ويقارب الدلالة على العجز وعدم القدرة على التصرف في شؤونه [2] ، فضلًا عن عدم توافر المال وسوء الحال.
(عيلة / عائلا)
عال الرجل إذا احتاج [3] وافتقر [4] ، وهو يعيل عيلة، وهي الفاقة [5] وذكره القرآن الكريم مرتين، منها قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [6] ، أي فقرا [7] بسبب من تعطل التجارة [8] واحتياجا. وأعال الرجل كثر عياله [9] . واللفظان مترابطان، فقد تؤدي كثرة العيال إلى الاحتياج والفقر.
وجاءت خطابا للرسول (( ) في قوله تعالى: {أَلم يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى - وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى - وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [10] . ودلالة هذا الاستعمال الملائمة لسياق النبوة هي إزالة فقر النفس، أو ملازمة الفقر إلى رحمة الله تعالى وصولا إلى الغنى بها [11] .فهذه الدلالة العرفانية هي ـ وحدها ـ ما يتلاءم مع شخص الرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل فيه فقيرا [12] .
وبعد، فإن (عائلا) تعيل دلالة أُخري هي حمل هموم الإنسان، ومحاولة التغيير والسخط على الواقع الاجتماعي الذي كان عليه القوم إبان الدعوة. وفيها معنى (( تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك ) ) [13] . ولا يخفى حس الدعاء في هذا اللفظ فيكون غناه بالاستجابة [14] والرضا.
والملحظ البياني الذي يلتفت إليه في استعمال ألفاظ الفقر في النظام القرآني أن ثمة إقتارنا دلاليا بين هذه الألفاظ وفعل الإطعام، فإن هذا المقترن الدلالي يظهر على غيره من الألفاظ متلازما دلاليا مع ألفاظ الفقر مثلما اتضح في الآيات محل البحث، فعجيب إصرار الخطاب الإلهي على دوال الطعام (طعام / إطعام / أطعموا / نطعم / يطعمون) في سياق الفقر، فجاءت (14مرة) والأعجب أنها ساوت ألفاظ الفقر في الأداء القرآني، وكأن ذلك يشير إلى ان كل فقير سيناله شيء من طعام، فطعامه موجود إلى جنبه، وما يعوزه إلاَّ مطعم أو من يحض على طعام الفقير.
(1) التوبة /60، وينظر. البقرة /271، 273، النساء/6، الحشر /8.
(2) ينظر. منة المنان في الدفاع عن القرآن 1/ 125.
(3) ينظر. المقاييس (عيل) 4/ 198.
(4) ينظر. المفردات (عيل) 367.
(5) ينظر. مختار الصحاح (عيل) 466.
(6) التوبة /28.
(7) ينظر. المفردات 367.
(8) ينظر. الميزان 9/ 238.
(9) ينظر. المفردات 367.
(10) الضحى /6 - 8.
(11) ينظر. المفردات 367.
(12) ينظر. التبيان 10/ 369، الكشاف 4/ 265.
(13) ينظر. البرهان في تفسير القرآن 5/ 473.
(14) ينظر. الميزان 20/ 445.