وبعد فإن (أهل البيت) علم [1] على هؤلاء القوم يحضرون إلى الذهن إذا ما استعمل في كلام ما.
ويستعمل للدلالة على العيال [2] أو الإعالة، واكتسب استعماله للدلالة على هذا المعنى في القرآن الكريم دلالة جديدة هي الإعالة الفكرية والعقيدية، فضلا عن الاجتماعية كما في سياق موسى (( ) في قوله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [3] ، فسياق الإغراء والحث والاقتران بـ (أهل) يجعل الذهن منصرفا إلى المرصوفات الدلالية لهذه اللفظة، حيث السكن والطعام، والأمان، والحب، والمعاشرة، والعمل، والكلام، ... والإشارة إلى القوة أقوى في هذا السياق. إمَّا الأصل العريق والطيب، وضمان الفكر السليم والتربية الحسنى فمن مطلوبات الدلالة والإشارة هنا.
ويوحي بالإعالة الفكرية والحرمة أيضا، كما في دعاء نوح (( ) ، وذلك قوله تعالى على لسانه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا} [4] .ولا يخفى أنَّ دخول البيت هنا استعمال كنائي عن الإيمان بدعوته، وربما يشير إلى الزيارة والتبرك. وقيل أراد السفينة [5] .
وعبر القرآن الكريم عن الساكنين بلفظ البيت، كما في سياق إبراهيم (( ) وضيفه من الملائكة الذين أتوا لإهلاك قوم لوط (( ) ، وذلك قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ - قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ - لنرسل عليهم حجارة من طين - مُسَوَّمةً عند ربِّك للُمسْرِفينَ - فاخرجنا مَن كَانَ فِيْهَا مِن الُمؤمِنِيَن - فَمَا وَجَدْنَا فِيْهَا غَيْرَ بَيْت مِن الُمْسلِمِينَ} [6] . وظلال هذا الاستعمال بين الضعف أو الاستضعاف، فضلا عن الاعتزال [7] الناشئ بسبب من الاختلاف الفكري على حين تبقى الإشارة إلى التعبد والانقطاع عن الدنيا والانشغال بالله تعالى.
وتكتسب البيوت وظيفة عقيدية، فضلا عن وظيفتها الاجتماعية المعروفة، كما في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} [8] ، فالبيوت صارت منابر فكرية ومصادر وعي وهداية واشعاع.
وقريب من هذا تسمية القرآن الكريم المساجد بيوتًا في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ - رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلواةِ وَإِيتَاءِ ... الزَّكَواةِ} [9] .فعندما سماها بيوتا أراد الوظيفة الفكرية والتطبيقية للمساجد لا العبادة حسب، ومن ثمة تكون لفظة (بيوت) موحية ـ بسبب من العدول إليها ـ بالتآلف، والنشاط الفكري، والمدارسة والتمثل الروحي للممارسة العبادية، أية ممارسة؟ فاكسب المساجد باستعمال البيوت ملامح عامة، فجعلها فضاء نفسيا فسيحا تتوافر فيه فرص التمثل والتأمل والاتعاظ.
(1) ينظر. العلم في القرآن الكريم 318.
(2) ينظر. المقاييس (بيت) 1/ 325.
(3) القصص /12.
(4) نوح/28.
(5) ينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 196.
(6) الذاريات /31 - 36.
(7) إشارة إلى قوله تعالى (( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون ) )النحل/56.
(8) يونس /87.
(9) النور /36.