فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 257

ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [1] . وإشارة البيت هنا إلى القلب [2] ، أو النفس ودائرتها المظلمة التي تطوق المرء وتحجبه عن إبصار الحق. يُروى أن عيسى (( ) قد قال: (("إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك واغلق بابك". إنه أراد أنك تجمع عليك هم قلبك وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة فعبر عن القلب بالبيت ) ) [3] .

وقوله تعالى: {و وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [4] . والأمان، والنظام أقل ما تشير إليه البيوت في هذا السياق.

وجاء للدلالة على بيت الله الحرام (16مرة) منها قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [5] . واستعمال (البيت) يشعر بالأزل [6] ، فضلا عن إشعاره بالعبادة، أو خلوصه لها [7] .ويبقى رمز إلى ذات محمد [8] (( ) ، أما الرزق والتأمل فمن إشاراته الواضحة التي يكشف عنها السياق.

وتبقى هذه اللفظة مظنة للدلالة الإيحائية، فتستحيل إلى قوة تجذب القلوب وتنفث فيها اللطائف [9] وتزهدها في الدنيا؛ ذلك أنها تضعها بازاء المطلق. ومن جميل ما قيل فيه (( بيت ليس العجب ممن بقى عنه كيف يصبر؟ إنما العجب ممن حضره كيف يرجع؟! ) ) [10] ولا يتوحد مع أنواره فيصير في شعاعها.

وبالغ المتصوفة في تجريد هذا المكان، فرغبوا عنه بحسبان أبعاده وحددوه رغبة في ربه، وجعلوا شوقهم إليه تعالى مما يوجب تهديم صورة هذا المكان (البيت) في نفوسهم سعيا إلى وجود من أقامه [11] ؛ فكأنه حاجز مادي يمنع النفس من تدرجها في أقطار الكمالات توقانا إلى الكمال الأكمل. وربما ما يحفظ الدلالة الرمزية هنا القول إنَّ (البيت) النقطة المادية لبدء رحلة التدرج الأكملي، والهالة (الإشراقية) المعنوية (توسعت) حواسه ومداركه إلى تمثل هذه التجليات، بل صارت تجليا منظورا منها.

أخذت هذه اللفظة بعدا اصطلاحيا من اقترانها بـ (أهل) في السياق القرآني، إذ تحكي وحدة فكرية وانتماء (رسالي) كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [12] .فقد نزلت [13] هذه الآية في شخص الرسول الأكرم (( ) وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) . وقول من ذهب إلى أن (أهل البيت) نساؤه (( ) أو أهله ونساؤه [14] قول بارد.

(1) النساء /100، وينظر. الإسراء/ 93.

(2) ينظر. المثل السائر 1/ 32.

(3) نفسه.

(4) النحل /68، وينظر. العنكبوت /41 (3مرات) .

(5) البقرة /215، وينظر. البقرة /127.

(6) ينظر. لطائف الإشارات 1/ 134.

(7) يستعمل هذا اللفظ في اللغات العراقية القديمة للدلالة على مكان العبادة أو المعبد ولا سيما في اللغة الأكدية / مقابلة مع الدكتور نائل حنون.

(8) ينظر. التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق111، 173.

(9) ينظر. لطائف الإشارات 1/ 134 - 135.

(10) نفسه 135.

(11) هذه أقوال رابعة العدوية، والحلاج / ينظر. شخصيات قلقة في الإسلام /د. بدوي طبانة68، لطائف الإشارات 1/ 134 (هامش رقم 1) .

(12) الأحزاب /33.

(13) ينظر. جامع البيان 22/ 25، الكشاف 3/ 360، زاد المسير 6/ 381، التفسير الكبير 25/ 209.

(14) ذكر هذين القولين ابن الجوزي، والأول قول عكرمة (106) والثاني قول الضحاك / ينظر. زاد المسير 6/ 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت