فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [1] .ومعنى (اسلك) ادخل واحمل [2] .ومن ظلال المعنى الجلوس باطمئنان وارتياح وهدوء، ومن ثم يحمل اختياره لذة دلالية في سياق تأخذ الحركة بأقطاره كلها ويهيمن عليه الاضطراب والقلق، فجاء اسلك ليدفع بما في المقام من هذا الاضطراب والخوف بعيدا، ولا تغيب ظلال معنى هذا الاستعمال المتمثلة بالزحام وشيء من التصويت.
وجاء في سياق الآخرة (3مرات) أيضا كانت مع النار فقط، كما في قوله تعالى: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ - فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ - عَنْ الْمُجْرِمِينَ - مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [3] . ويسلك هذا اللفظ الطريق إلى الدلالة على ان المجرمين كأنهم قد وضعوا في سقر واحدا فوق الآخر صفوفا، ويشير (سلككم) إلى هيأة أبعد ما تكون عن هيأة الإنسان وشخصيته.
2 ـ القصيرة:
(القعود والجلوس)
قعد يُقارب جلس، على فرق بينهما [4] . فيقال قعد لمن كان واقفا، على حين يجلس من كان نائما مضطجعا [5] .
وجاء في القرآن الكريم (28مرة) ، والملاحظ أنه جيىء بها في سياق لا يخلو عن عقيدة، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [6] . فضلا عن ارداة معنى الهدوء [7] والاستقرار، فانه ناظر باستعمال (مقعد) إلى مد عقيدي وتوحد بين القاعد والمقعود عنده. ولا يُغفل إيحاء هذا الاستعمال بالخلود والجمال والتلذذ، وهذا الإيحاء مرتبط بقوله (صدق) ، فان من وحيها الجمال والاطمئنان. ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [8] . يشعر قوله تعالى (قعودا) بالبكاء وطول الأمل والرجاء.
ومن استعماله في (العقيدة) السالبة قوله تعالى على لسان قوم موسى (( ) : {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [9] . فقد دل بـ (قاعدون) على التخلي النهائي الذي صار
(1) المؤمنون /27، وينظر. القصص /32، نوح /20.
(2) ينظر. الكشاف 2/ 30.
(3) المدثر /42، وينظر. الحاقة /32، الجن /17.
(4) ينظر. المقاييس (قعد) 5/ 108.
(5) ينظر. بيان إعجاز القرآن/ الخطابي (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) 28، بصائر ذوي التمييز 2/ 388.
(6) آل عمران /191، وينظر. النساء /103، يونس 86، 90.
(7) ينظر. المفردات (قعد) 424.
(8) آل عمران / 191، وينظر. النساء /103، يونس 12.
(9) المائدة /24، وينظر. آل عمران /168، النساء /95، التوبة /46، 81، 83، 86، 90.