عَامًا [1] .فيدل هذا الاستعمال على أنها إقامة يتغير فيها الزمان ولا تتغير فيها حال الإنسان، فتكون هذه الإقامة مما يستصحب المعاناة، وهذه حال نوح في قومه، وفي (لبث) إيحاء بالتفكير في أمر عام يهم أمة كاملة طلبا لنجاتها؛ فيأتي إيحاء الدعاء وبذل النفس.
ومنه قوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [2] .وقوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [3] . وتبقى الإقامة التي يعبر عنها باللبث موحية بالمعاناة وعدم التغيير.
والقسم الثاني: الإقامة في الآخرة، وقد خص الاختيار القرآني باللبث الإقامة في جهنم فلم يأت مع الجنة. يقول تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا - لِلْطَّاغِينَ مَآبًا - لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا - لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا} [4] . هذه الإقامة (اللبث) التي يتغير فيها الزمان ولا تتغير حال الإنسان فيها، فتكون مما يضاعف العذاب. ويظهر أن فيها ـ وهذا على ما يبدو سر اختيارها مع النار ـ إشارة إلى ان اللابث يتوق إلى الانتقال وأنَّى له ذلك؟، فتأتي المكابدة وتزايد الألم، فكلما لاح لهذا المقيم اللابث أمل في الخلاص خبا أمله وجاء بعد حين أمل جديد يخبو هو الآخر.
(مَكَثَ)
المُكْث: اللبث والانتظار [5] .
وجاء في القرآن الكريم (5 مرات) منها قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [6] . لا يخلو (امكثوا) من إشارة دلالية إلى الاطمئنان والتوكل. وأكبر من هذا إشارته إلى الدعاء، فكأنه قال (ادعوا) وهذا يليق بزوج زوجها يسعى إلى جلب الخير والنفع، فأقل ما تشاركه فيه هو الدعاء. وبعد فليس (مكث) مما يرادف (لبث) . نعم بينهما تقارب دلالي، فقد كان للظلال الدلالية ما يمنع القول بترادفهما ترادفا تاما.
(سَلَكَ)
يُقال: سلك في المكان دخل فيه [7] .
واستعمله القرآن الكريم (6مرات) مع حركة الإنسان، في سياق الدنيا والآخرة، فجاء في سياق الحياة الدنيا (3مرات) ، منها قوله تعالى في نوح (( ) إبان الطوفان: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا
(1) العنكبوت /14.
(2) الكهف /25.
(3) البقرة / 359.
(4) النبأ / 30 - 33.
(5) ينظر. اللسان (مكث) 2/ 191.
(6) القصص/29 وينظر. الكهف /103، طه/10، النمل /22، الزخرف/77.
(7) ينظر.: المقاييس (سلك) 3/ 97.