الاستعمال، وربما قادت هذه الدلالة إلى الإيحاء بالتأمل والعزلة وقلة النشاط [1] الحركي وعلو نشاطها الفكري؛ ذلك ان القرآن العزيز استعملها في سياق الحشد العسكري والتعبوي والتوجه إلى القتال وسلخها من هذا الحشد إلى الدرس والتدارس في الدين.
الثالث: الفرق الصغيرة:
(عُصْبَة)
العُصْبَة: العشرة من الرجال [2] . وقيل إنَّهم ما بين العشرة إلى الأربعين [3] . وخُصُّوا بجماعة الفرسان [4] .
وجاءت في القرآن المجيد (4مرات) مرتين في سياق قصة يوسف (( ) وذلك قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ - إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [5] . وفيها دلالة على القوة [6] والكلام والتعاضد واتفاق الرأي [7] ورجاحته [8] . وإذا كان هذا من الدلالة الأولى فإن ما يقترب إلى الدلالة الثانية القول (( انه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما، و منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كُفاة نقوم بمراقبته فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة والمنفعة ) ) [9] . فإن (المرافقة) والحراسة، وكذلك (النفع) والعمل دلالات إيحائية لهذا اللفظ. وثمة دلالة أخرى تشع منه تتصل بالسلوك الاجتماعي هي الغرور والاتفاق على الشر والفتك، وهذا ما كانت تخطط له هذه العصابة وقد فعلته بيوسف (( ) .
وتبقى الدلالة الإيحائية متعصبة إلى هذا اللفظ، فتقترن به في سياق حادثة الإفك، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [10] . فيوحي بالوقاحة، والتشهير، فضلا عن الشر والعدوان والاجتماع عليه.
(رَهْط)
الرَّهْط: نحو العشرة من الرجال الادنين قرابة [11] إلى حد رجوعهم إلى أب واحد [12] ويراد منه الاجتماع [13] .
(1) يقارن بما قيل في دلالة (طائفة) في الآية ذاتها.
(2) ينظر. العين (عصب) 1/ 309.
(3) ينظر. العين (عصب) 1/ 309، الفروق اللغوية 230، القاموس المحيط (عصب) 1/ 148.
(4) ينظر. الفروق اللغوية 230.
(5) يوسف /7 - 8،وينظر. يوسف /14.
(6) ينظر. تفسير المراغي 11/ 118.
(7) ينظر. المفردات (عصب) 348.
(8) ينظر. تفسير المراغي 11/ 119.
(9) الكشاف 2/ 304، وينظر. تفسير المراغي 11/ 118.
(10) النور/11.
(11) ينظر. اللسان (رهط) 7/ 305.
(12) ينظر. الفروق اللغوية 232
(13) ينظر. القاموس المحيط 1/ 863.