فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 257

نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ - ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ - وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ - إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [1] . أي أنَّ إبراهيم (( ) على هداه وفكره وطريقته، وتنماز هذه اللفظة بحفزها الدلالي إلى الوعي الفكري المعرفي باصول الاعتقاد الديني ولوازم الإيمان، وقد نبهت الآية الكريمة على أهمها (القلب السليم) .

وتشير اللفظة إلى حالة من فناء الذات في المجموع، كما في قوله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [2] . فإن موسى (( ) عندما استغيث أغاث راغبا متفانيا، والدلالة الإشارية هذه ترتبط بالدلالة المادية لأصل لفظة (شيعة) فإن (( أصلها من الشياع وهي الحطب الدقاق التي تجعل مع الجزل في النار لتشتعل كأنه يجعلها تابعا للحطب الجزل لتشرق ) ) [3] . فإذا ما عرضت هذه الدلالة المادية على الدلالة المعنوية (الجماعة المتحدة) فإنها تنتهي إلى دلالة التفاني والتضحية دون أفراد هذه الشيعة أو تلك فضلا عن (( دخول في القداسة عن طريق بيع النفس لله، والمبايعة على الموت، والخروج إلى قضية الله ) ) [4] . وهذا ما يميزها من ألفاظ الفرق والجماعات الأخر.

وليست الدلالة على التوحد هي الوحيدة لهذا الدليل اللفظي، إنما يفرز دلالة مضادة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [5] . فالتفرقة والتناحر من وحي هذا الاستعمال.

(فِئة)

الفئة: الأعوان [6] . وهي الجماعة [7] المتفرقة من غيرها [8] ،أو الطائفة [9] .

واستعملها القرآن الكريم (11مرة) في سياق الجهاد والقتال. ولا بد من القول أن ملازمة لفظة ما لسياق بعينه تجعل إمكان تلمس دلالة نفسية لها صعبا؛ ذلك أن وحدة السياق تقود اللفظة إلى وحدة الدلالة وركودها، على حين تمنح التحولات السياقية اللفظة مرونة دلالية تمكن المحلل الدلالي من النفاذ بينها والخروج بدلالة إيحائية معينة. وعلى الرغم من ذلك فإن الدليل اللفظي (فئة) يمكن ان تستشف منه الدلالة الإيحائية على تحذر.

إنَّ الإصرار على توظيف هذا الدليل في هذا السياق من بين أدلة الجدول الاختياري الجماعي يمثل احترافًا استعماليًا يقابله احتراف واقعي، أي ان الجماعة (فئة) تحترف القتال وتصر عليه، فتكون الجماعة، أية جماعة، إذ سميت فئة فهذا يعني أنها تحترف شيئا بعينه وتصر على ممارسته، لأنها لا تجد نفسها ألاَّ من خلاله. وهذا الإصرار والاحتراف القتالي يؤكده النصر الذي ذكره القرآن الكريم متساوقا مع (فئة)

(1) الصافات /79 - 84. وينظر. مريم /69، الحجر /10، القمر 51، سبأ /54.

(2) القصص /15.

(3) الفروق اللغوية 231.

(4) التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق/ د. علي زيعور 23.

(5) الأنعام /159، وينظر. الأنعام /65، القصص /4، الروم /32.

(6) ينظر. اللسان (فأي) 15/ 145.

(7) ينظر. مجاز القرآن 1/ 77.

(8) الفروق اللغوية 231.

(9) ينظر. بصائر ذوي التمييز 4/ 223

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت