أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [1] . وقد أظلت بظلال الخبث والكذب وسلطة التأثير، ومراعاة المصالح.
واستعملت مع طلب المشورة والفتيا، فما كانت لتتخلص من ظلالها تلك، كما في قوله تعالى على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ - إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ - أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِي - قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [2] . والسياق الاجتماعي يبعث في الملأ دلالة على التفاهة وضعة الحلم.
وفي رؤيا عزيز مصر تتصدر التفاهة وانعدام الوعي الفكري إيحاءات لفظة الملأ، وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ - قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} [3] . أما إيحاؤها بالبلادة والبلاهة فيأتي متدافعا مع الإيحاء بالضخامة والبدانة ونتن الرائحة. و إذا ما شعت الكلمة بهذه الدلالات فانها تعكس الواقع الذي عليه هؤلاء المقربين والجلساء، إذ يبدو أن هذا الاستعمال الدلالي يصور انغماس هؤلاء في الملذات والشهوات من دون أن تكون لديهم أدنى عناية بالجانب الروحي والفكري فكأني بهم عندما طلب إليهم الملك تعبير الرؤيا أجابوه وايديهم في الطعام، وأفواههم تغص به فما كلموه إلاَّ وقطع الطعام تتطاير منها، وهمهمة الآكلين بنهم تكسو المكان بالكسل والبرود وعدم الاهتمام بما يسمعون.
ويأتي إيحاء ثان يتمثَّل بالسرية في العمل، وذلك في قوله تعالى على لسان سليمان (( ) : {قَالَ يَاأَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ - قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [4] . ولا اعدم في هذا الاستعمال إشارة إلى التعريض والمنة، فكأنه يمن عليهم أو يحثهم على القيام بما يحفظ لهم وده ويبقيهم ملأه المقربين، ففي قوله (يا أيها الملأ) استثار خوفهم على الملائية مجيلا في خواطرهم امتيازاتها.
(طائِفة)
الطائفة: الجماعة التي من شأنها الطواف في البلاد للسفر، ويجوز ان يكون أصلها الجماعة التي تستوي بها حلقة يطاف عليها ثم كثر حتى سمي كل جماعة طائفة )) [5] . والطائفة بحساب العد أقل من الفرقة بدلالة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [6] .
(1) الأعراف /127، وينظر. البقرة /246، الأعراف /60، 66، 75، 88، 90، 103، 109، 127، يوسف /75، 83، هود /27، 38، 97، المؤمنون /24، 33، 46، الشعراء /34، القصص /20، 32، 38، ص /6، الزخرف /46 ,
(2) النمل / 29 - 33.
(3) يوسف / 43 -44.
(4) النمل / 38 -40.
(5) الفروق اللغوية 230،وفي قوله (( ثم كثر حتى سمي كل جماعة طائفة ) )إشارة إلى التطور الدلالي.
(6) التوبة /122.