{لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ - ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ - وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ} [1] . ويبدو أن قوله تعالى في الآية الأولى (قليل) وفي الآية الثانية (ثلة) يومئ إلى أن (الآخرين) في الآية الأولى هم على حياة النبي صلى الله عليه وسلم ممن تأخر إيمانهم، أما (الآخرين) الأُخرى فإنها تعني من بعده عليه الصلاة والسلام.
وقد اكتُفي بالجماعة [2] تفسيرا لهذا اللفظ، على حين انه لفظ منتشر الدلالة حيث إيحاؤه بالحب [3] والانسجام، والخير، والعلنية والوضوح، والثبات على العقيدة وصولا إلى مرحلة التأثير في الآخرين، وعرض النموذج المقتدى، فيكون وحي هذا اللفظ باليقين وسرعة دخول الإيمان، ومن ثم بالفخر.
(الجّبِلَّة)
أصل الجِبِلَّة الغلظ العظم [4] و (( لا يقع على الجماعات المجتمعة من الناس حتى يكون لهم معظم وسواد ) ) [5] .
وما جاء من لفظه في الخطاب الخالد قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [6] . وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ} [7] . وما يترآى أن هذا الاستعمال يشير ـ فضلا عن دلالته على الجموع الكثيرة ـ إلى الفطرة والعهد الإلهي الذي على الناس، وتدل هذه الإشارة ـ دلالة إلزام ـ على الحث إلى الاحتكام إلى العقل، وتدل إلزاما ـ أيضا ـ على التبكيت والتقريع بسبب من مفارقة العقل والوقوع في اسر الهوى.
الثاني: الفرق المتوسطة
(الملأ)
هم (( الأشراف الذين يملأون العيون جمالا والقلوب هيبة ) ) [8] . وقيل انهم (( الجماعة من الرجال دون النساء ) ) [9] وصحح المعنى الأول [10] فيه.
وعبر القرآن الكريم بالملأ عن الجماعة (30مرة) للدلالة على وحدة الرأي، والتقريب والعون، فكان سياق الاستكبار أغلب ما استعملت فيه، وذلك في (24مرة) منها قوله تعالى: وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ
(1) الواقعة /37 -40.
(2) ينظر. المفردات (ثل) 77، اللسان (ثلل) 11/ 90.
(3) من الدارسين من وازن بين (ثلة) والاستعمال الحديث (شلة) فانتهى إلى دلالة (الثلة) على الصداقة وقضاء الوقت معا، وهذا ما يدل عليه لفظ (الشلة) / ينظر. اللغة العربية معناها ومبناها، د. تمام حسان 357،وربما نتج اللفظ الثاني (شلة) من ابدال الثاء في الأول شينا.
(4) ينظر. الفروق اللغوية 229، المفردات (جبل) 85.
(5) الفروق اللغوية 229،وينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 365.
(6) يس /60 -62.
(7) الشعراء /184.
(8) الفروق اللغوية 232، وينظر. المفردات (ملأ) 492.
(9) اللسان (ملأ) 1/ 159 - 160،ويقارن بما قيل في دلالة (قوم) .
(10) ينظر. الفروق اللغوية 232.