عليه، والسياق الاجتماعي يؤشر ذلك، فيقول تعالى على لسان المرأة: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [1] .
ويبدو أن من قرأ بالعين وضع يده على الشعاع الدلالي الأخير من الأشعة الدلالية التي تبعثها هذه اللفظة، وهي تشع من (شغفها) بالغين. وهذه المهادنة الدلالية هي ـ على ما يبدو ـ ما يمكن أن يوجه به الاختيار القرآني لهذا الدليل في سياق هذه القصة، فهو وحده الدليل الناهض بالإشارة إلى العلاقة بين يوسف (( ) وامرأة العزيز، (العلاقة) غير الصحيحة؛ ذلك أنه يحمل الدلالة على اللهفة الجنسية غير المشروعة، ولا يخفى تعلق هذه الدلالة الإشارية بفعل المراودة الذي كان المهيمن الدلالي على أجواء (العلاقة) بين اثنين [2] نبي يستعصم من الخطيئة، وامرأة لا ترى إلاَّ الخطيئة سبيلا تطفئ به شعفها.
(هَيْتَ)
ذُكر أن (( الهيأة للمتهيئ في ملبسه ونحوه. يقال هاء فلان يهاء هيأة، وتقول: هيت لك، أي تهيأت ) ) [3] .
ولم يكن من هذا اللفظ إلاَّ مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك ما جاء في سياق قصة يوسف (( ) ومراودة امرأة العزيز له. يقول تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [4] .وفي اتفاق اللغات على استعمال هذا اللفظ أقوال، فهو بين الحورانية [5] . والعبرانية، والسريانية، والقبطية فضلا عن العربية [6] .
وقرئ (هَيْتَ) و (هَيْتُ) و (هِيْتَ) و (هِيْتُ) و (هِئتَ) و (هِئتُ) و (هِيْتِ) و (هَيَيتُ) [7] . وعلى هذه القراءات يدور هذا اللفظ بين اسم الفعل والفعل، فهو مع ضم التاء فعل، وفي الأخير مبني للمجهول من (هيأت الشيء) [8] .
واستعمال هذا اللفظ في سياق حركي يعطي تكثيفًا للدلالة فهو دال على التهيؤ، والدعوة اللاحة، ويشير إلى معنى عدم استطاعة الفرار والممانعة، فقيل في دلالاته: هلم لك [9] ، وتهيأت لك [10] ، وتعاله [11] مسرعا [12] . ولا تخطأ في التشكيل الصوتي دلالة التهتك والتميع؛ فالهاء المهتوتة [13] التي يصحب
(1) يوسف /32.
(2) ربما فسر هذا أيضا هيمنة الألفاظ الدالة على العلاقة غير المشروعة على ألفاظ قصة يوسف (( ) فيما يتصل بـ (علاقته) بهذه المرأة.
(3) العين (هاء) 4/ 103.
(4) يوسف /23.
(5) ينظر. تفسير المراغي 10/ 128.
(6) ينظر. البحر المحيط 5/ 293.
(7) ينظر. نفسه5/ 294
(8) ينظر. نفسه.
(9) ينظر. العين 4/ 103، معاني القرآن / الفراء 2/ 40، مجاز القرآن 1/ 305، المفردات (هيت) 546.
(10) ينظر. العين 4/ 103، المفردات 546.
(11) ينظر. تفسير المراغي 10/ 128 -129.
(12) ينظر. البحر المحيط 5/ 293.
(13) يوصف صوت الهاء أنه صوت مهتوت لما فيه من خفاء / ينظر. الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني / د. حسام النعيمي 210، في البحث الصوتي عند العرب/ د. خليل إبراهيم العطية 61.