من جهة المرأة، أما من جهته هو فإن (تراود) يدل التزاما على الممانعة الأقوى التي عليها يوسف (( ) ، ومن ثم يشحذ هذا اللفظ دلالات منها المحاولة والمراوغة، والاحتيال عليه، وكأنها تدور عليه إبان طلبها هذا، وغير بعيد عن هذه الدلالة انها غلقت الأبواب وتهيأت له [1] .
وتبقى إشارة (تراود) إلى أنها أرادت أن تصرفه عن الحق والإيمان والعهد الذي أخذه على نفسه، فهي تحاول ان تصرفه عن رأيه )) [2] الحق في عدم جواز هذا الفعل، فيكون (تراود) دالا على نشاط مبذول من المرأة، نشاط (فكري) [3] وسلوك شهواني نفسي مصحوب بالإغراء والتهتك [4] والتغنج، فضلا عن الكلام والحث المتواصل على مثل هذا الفعل، ويبقى إيحاء فعل المراودة بالأمل.
(شغفها)
الشِّغاف: حجاب القلب وضفافه [5] .
وذكره القرآن الكريم مرة واحدة في آية المراودة التي كان الكلام عليها في الموضع السابق، يقول تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [6] . ومعنى ذلك أن حبه (( قد خرق شغاف قلبها ) ) [7] ووصل غلافه [8] وباطنه [9] مع لذة يجدها المشغوف [10] .
وقرئ (شعفها) بالعين المهملة [11] . وهذه القراءة (( من قولك: شعف بها: كأنه ذهب بها كل مذهب ) ) [12] . واصل الشعف (( من شعف البعير إذا هنأه فاحرقه بالقطران ) ) [13] ؛ فيكون معنى القراءة بالعين (( وصل حبه إلى قلبها فكاد يحرقه لحدته ) ) [14] . وذكر فرق بين (الشغف) و (الشعف) إذ جعل الأول مخصوصا بالحب، على حين خص بالثاني البغض، أو الجنون [15] . ولا نعدم تقاربا بين الدلالتين، لا سيما إذا خص الشعف بالجنون؛ ذلك أن الجنون بسبب من الحب كثير.
وبعد، فإن في (شغفها) احتواء دلالي، أو مهادنة دلالية بين ضدين (الحب / البغض) وهذه المهادنة من قبيل الدلالة الإيحائية والتكثيف الدلالي الذي تمكن في هذه اللفظة فاخضعها دالا على ضدين، فإن امرأة العزيز لما اشتهت يوسف (( ) وأحبته وراودته عن نفسه فامتنع (استعصم) تحول حبها بغضا ونقمة
(1) ينظر. يوسف /23.
(2) المفردات 212.
(3) كان فعل المراودة دالا على بذل الوسع في الإقناع في سياق اخوة يوسف (ع) / ينظر. يوسف/
(4) يقارن بما يقال في دلالة (هيت) .
(5) ينظر. النهاية في غريب الحديث (شغف) 2/ 483.
(6) يوسف /30.
(7) معاني القرآن / الفراء 2/ 42.
(8) ينظر. مجاز القرآن 1/ 308، مجمل اللغة (شغف) 3/ 164.
(9) ينظر. المفردات (شغف) 269، أساس البلاغة (شغف) 1/ 496.
(10) ينظر. فقه اللغة وسر العربية 171.
(11) ينظر. الكشاف 2/ 316.
(12) معاني القرآن / الفراء 2/ 42.
(13) الكشاف 2/ 316.
(14) المحتسب 1/ 339، البحر المحيط 5/ 301، الظواهر اللغوية في قراءة الحسن البصري / د. صاحب أبو جناح 152.
(15) ينظر. البحر المحيط 5/ 301.