الصفحة 4 من 36

وفي إحدى لحظات اللقاء ما استطاع بصري إلا أن يسارقني ليرجم الشك باليقين: أَحَقًَّا هذا الرجُل مقطوعُ الرِّجْل كما أكَّد الإعلام الأعرج؟!

لقد كنتُ أعلم من قبلُ يقينًا أنه سليم الرجلين من مصادرَ موثوقة -ثم اطمأن قلبي الآن- إلا أنني رغم جزمي هذا خامَرَتْني شائبةٌ من شكٍّ لكثرة نعق غربان الإعلام .... فسبحان الله كم للإعلام من أثر، فأين أنتم يا شباب الإعلام ... من بني الإسلام؟

إعلام هذا العصر شر ظاهر * فعلى يديه تُزَوَّر الأخبارُ

وعلى يديه تُباح كل رذيلة * وعلى يَدَيه تُشَوَّهُ الأفكارُ

وبه تُشَبُّ النارُ يُوْقَدُ جَمْرها * وبه يُثارُ من الشكوكِ غُبارُ

ومن أَجْلِ إعلام الغرب الزَّنيم اضْطُرَّ الشيخُ أن يُظْهِرَ بعض انتصاراته وبعض كذبهم، فقد تناهى إلى سمعي قبل أن ألتقيَ بالشيخ أنه آثر الكمون أول الأمر بعيدًا عن صَخَبِ البهارج والفخفخة من إعلانات وأفلام ونحوها؛ لئلا يكون:

كمثل الطبل يُسمَع من بعيد و باطنه من الخيرات خال

ويبدو أن الشيخ -حفظه الله- لا يحب أن يكون"كُنْتِيًّا"، حتى أنه تعمَّد أن لا يُصوِّر شيئًا من العمليات ضد الأمريكان لتبقى سرًا بين العبد وربه، إلا أن إعلام الكفر السافر أبى عليه إلا أن يُخْرج شيئًا من الحقائق، فساقته الأحداثُ اليوم إلى الظهور في العراق رغم نفوره من الظهور، ولسانُ حاله:"مُكْرَهٌ أخاك لا بَطَل".

ولعل الله شاءَ بحكمته أنْ كلما أخفى المجاهدون عن اليسرى ما فعلت يُمناهم أبت يسراهم إلا كشفًا.

حتى أنني سألتُه في أول لقاء جَمَعَنا:"لو استقبلتَ من أمركَ ما استدبرتَ ماذا كنتَ تتمنى؟"فقال: وددتُ لو أنني قُتلت في"خوست"في أفغانستان سنة /1410هـ- 1990م/ ... فاسْتَفْسَرْتُه عن السبب، وقد تَمَلَّكَني العَجَب ... ؟!

لماذا يود أن يُقتَل آنذاك وقد يَسَّر الله على يديه اليومَ ما لم ييسره على يد أحدٍ من ملايين المسلمين الخانعين ... !

وإذ به كان يرى نفسه آنذاك أرقَّ قلبًا وأصفى روحًا من الآن، فقلت في نفسي: لا تثريبَ عليك فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو نبي- يُغان على قلبه فيَلْجأ إلى الاستغفار في اليوم مئةَ مرة، وبما أن حالة النبي القلبية ليست واحدة فإني لأتوقع أنه كان أرق قلبًا يوم كان يَتَحَنَّث في غار حِراءَ لوحده قبل أن يختلط بالناس، ولكنَّ الحكم الشرعي والأجر الأخروي في مثل حالنا واضح؛ فـ (المؤمن الذي يُخالط الناس ويَصبر على أذاهم أعظمُ أجرًا من المؤمن الذي لا يُخالط الناس ولا يَصبر على أَذاهم) .

فعسى الله أن يكون بكرمه اختار الشيخ ليكون من أهل:

ما كان قولُك ألفاظًا ترددها * جوفاءَ لكنه بالفعل مقرون

-وما هو إلا يوم أو يومان حتى بدأَتَ خفايا الأحداث من حياة الشيخ، أو أفكاره، أو تحليلاته، أو أسبابِ عددٍ من تصرفاته ... بدأَت تتبدى لي من مرافقتي له، وتتكشَّف من حديثه معي، فرأيتُ من حق الحقيقة عليَّ أن أُخْرِج للدنيا شيئًا منها من رحم المجهول، لتعرف أمتنا كم ظُلم أشخاص بسبب الإعلام، وكم سُحق أشخاص بسبب الافتراء، والمسلمون في سباتهم يمشون مع الناعقين الغربيين وصَداهم من الشرقيين ... يصفقون ويسرحون ويمرحون.

لقد شعرتُ أنني الآن أمام محيط هدار، تحيط به علامات الاستفهام، وتَحُفُّه علامات التعجب، عالمٌ غصَّ بخفايا التاريخ، فوجدتني مشدودًا أن أضرب خاصرة قلمي ليشد السير ولكن على متن هذا المحيط، فـ:

يا راكبًا متن المحيط مسافرًا * ما بين حلكة ليله ونهاره

هلا سألتَ البحر عما جَنَّه * في جوفه وحواه من أسراره

يا زرقةَ الأمواج بُوْحي بالذي * همست به الأنسام في أسحاره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت