فكيف إذا بدل الأحكام وحرَّف؟ إنه عندها يَسْقط من سِجِلِّ العلماء ومُنَزَّهي الكُتّاب لِيَدْخل في كُتب الضعفاء والمتروكين، فتَبًّا لمن جعل الدين باب رزق ومفتاح مناصب، ولن تزول قدما عبد حتى يُسأل عن اتهاماته الباطلة لرافعي كلمة الله -إلا أن يشاء الله- لأن (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكَنَه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال) .
إنَّ الفقيهَ إذا غَوَى وأطاعه * قومٌ غَوَوْا معه فضاع وضَيَّعا
مثلُ السفينة إنْ هَوَتْ في لُجَّةٍ * تَغْرَقْ ويَغْرَقْ كلُّ ما فيها معا
فرأَيْتُني -بعد معرفة الحكم الشرعي والبحث عن خيط- قد ساقَتْني رياح الأقدار لأتَرَبَّع في أحضان"أرض الرافدين"أرض الخلفاء العباسيين، وشوكةِ الشَّجى اليوم في حُلوق المنحرفين والكفار والمرتدين.
فعساها أن تكون بِشارةَ خيرٍ لي من باب الحديث الصحيح في"سنن النسائي": (إنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْك) .
وَصَلْتُ وإذ بي أَتَفَيَّأ ظلال إخْوة حملوا أرواحهم على راحاتِهم، فباعوا لله، والله اشترى .... وَفَدوا من كل فجٍّ عميق تلبيةً لنداء ربهم (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) ، فتركوا آباءهم وأولادهم وأزواجهم وخِلانَهم -مع حبهم لهم- ووَقَفوا بالمِرْصاد أمام كلاب الكفار ... الأمريكان؛ ذبًا عن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
سبحان الله! يصنع الحب في الله عجَبًا عجيبًا في تحريك الهمم، وربط القلوب بهذا الرباط الفريد ... ابتسامة عذبة ... إشراقة ساحرة ... روح مرحة ... يد حانية على بعضهم ... وكأن ألفاظ قلوبهم تعانقت مع معاني أرواحهم، لتقول بلسان واحد:
تالله ما الدعوات تُهْزم بالأذى * أبدًا وفي التاريخ بَرُّ يميني
ضعْ في يديّ القيد ألهب أضلعي * بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكريَ ساعة * أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي، وقلبي في يَدَيْ * ربي، وربيْ ناصري ومعيني
سأظلُّ معتصمًا بحبل عقيدتي * وأموتُ مبتسمًا لِيَحْيى ديني
وصلتُ .... إلا أن حُكْمَ الله منذ الأزل (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) ، فقُدَِّر عليَّ -والحمد له على كل حال- ظرفٌ عَصيبٌ خرجْتُ به من مكاني حتى كِدْتُ أُخْرَج به من أرض العراق ونفسي تتلهف على البقاء، فعشت /28/ ساعة على أعصابي، أَتَنَهَّد تَنَهُّد المَلْهوف، وأَزْفُر زَفَرات المَصْدور ... أدعو الله باسمه الأعظم أن يختار لي الخير، وأردد كلمات"يونس"في بطن الحوت، وأُكْثر من الاستغفار، وما عهدنا أن يُخَيَّب من لَجَأ إلى ركن شديد .... إلى الله!
وإذ بالأمل ينبعث من مقبرة اليأس، ويُطِلُّ الفرج من خاصرة الحَرَج، فتُلغى الإجراءات قبل /10/ دقائق من موعد قطار السفر.
وخلال /24/ ساعة يتراءى أمامي قولهم:"رب ضارة نافعة"، بل قوله تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) فأَجِدُ نفسي -في منطقةٍ لا أعرف ما اسمها- بين يدي أمير"جماعة التوحيد والجهاد":"أبي مصعب الزرقاوي"، ألتقط أنفاسي بعد اختناق محتوم.
وكنتُ أتيتُ العراقَ راجيًا أن يُكْرِمني الله بأشياءَ تنفع المسلمين وأكْسِب من ورائها أجرًا إلا أن أمنيتي لم تَرْقَ إلى هذا المرتقى، خاصة وأني أعلم وضعَ"الشيخ"الحساس وأن أناسًا قلائلََ هم الذين كانوا يلتقون به، لقد انقلبَتْ النِّقمةُ في ساعاتٍ معدوداتٍ إلى نعمة، وكيف يَغْلب عُسْر يُسْرَين، أسأل الله حسن الختام.
فإنّ المر حين يَسُرُّ حُلٌْو * وإنّ الحلو حين يَضر مُرّ
فخذ مرًا تصادف منه نفعًا * ولا تَعجل إلى حُلو يَضرّ