قال الإمام الحافظ - رضي الله عنه (١) -: هذه مسألةٌ اختلف العلماءُ والصّحابةُ فيها والفقهاء، فكان ابنُ مسعود يرى ألّا يتيمَّمَ الجُنُب ويقول: لَو رَخَّصنَا لَهُم في ذَلِكَ لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ علَيْهِم الماءُ أنّ يَدَعُوهُ وَيتَيَمَّمُوا (٢) ، وهذا ردٌّ للنصِّ الجلىِّ بالذَّريعةِ، وذلك لا يجوز. وأنّما علينا أنّ نُنْزِلَ الشرع منازله ويوضع موضعه، فمن تَعَدَّى فقد ظَلَم نفسَهُ، وقد سأل رَجُلٌ عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - عن الجُنُب هل يتيمَّم؟ فقال عمر: لا يتيمَّم، قال عمار: أمّا تذكر يا أمير المؤمنين إِذ كنّا في سَرِيَّةٍ، فأَجْنَبنَا فلم نجد الماء، فأمَّا أنا فَتَمَرَّغْتُ في التُّرابِ كما تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَأتَينَا رَسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم -، فقال: "إنَّمَا كانَ يَكفِيكَ ضَرْبَةً لِلوَجْهِ وضَرْبّةّ لليَدَينِ" فقال عمر: اتَّقِ اللهَ يا عَمَّار. فقال عمارٌ: إنّ شِئتَ يا أميرَ المؤمنين لَمْ أُحَدَّث بهِ، فقال له: بَل نُوَلِّيكَ من ذَلِكَ مَا تَوَلَّيتَ (٣) .
وهذا كلُّه ينبني على أصلين، وهما: الكلام على آية الوضوء، وقد أَطنَبنَا فيها في موضعها (٤) ، والنصُّ الجَلِيّ في الصّحيح عن عِمْرَانَ بن حُصَين؛ أنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - فرغ من صلاته فَنَظَرَ إلى رَجُلٍ لم يصلّ معهم، فقال له: " مَا مَنَعَكَ أنّ تُصَلَّي معَنَا؟ " فقال: إنِّي كنتُ جُنُبَا، فقال: "فعليكَ بالصَّعيدِ" (٥) ، وهذا نَصٌّ.
فإن قيل: ما هذه الوهلة من عَمَّار؟ كيف قال لعمر: إنّ شِئْتَ يا أميرَ المؤمنين لَمْ أُحَدَّث بِهِ؟