اللفظ عليه إلى دليل قوي لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال فيقويان على الاستيلاء على الظاهر والاحتمال القريب يكفيه في ذلك أدنى دليل والاحتمال المتوسط يكفيه دليل متوسط بين الدليلين قوة وضعفا وبالجملة فالغرض من دليل التأويل أن يكون بحيث إذا انضم إلى احتمال اللفظ المأول اعتضد أحدهما بالآخر واستوليا على الظاهر وقدما عليه فما كان في احتمال اللفظ من ضعف جبر باعتبار قوة في الدليل وما كان فيه من قوة سومح بقدره من الدليل والمعتمد قبالة المعتدل فهما يحصلان الغرض. ثم إن هذا الدليل المرجح إما أن يكون قرينة أو ظاهرا أو قياسا فأما القرينة فإما أن تكون متصلة أو منفصلة.
فمثال المتصلة: ما رواه صالح وحنبل عن أحمد قال كلمت الشافعي في مسألة الهبة فقلت إن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب لقوله صلى الله عليه وسلم"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"1 وكان الشافعي يرى أن له الرجوع فقال: ليس بمحرم على الكلب أن يعود في قيئه قال أحمد فقلت له فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صدر الحديث المذكور:"ليس لنا مثل السوء"2 فسكت الشافعي.
ومثال القرينة المنفصلة: ما ذكره الفقهاء فيمن جاء من أهل الجهاد بمشرك فادعى أنه أمنه وأنكره المسلم فادعى أسره ففيه أقوال ثالثها القول قول من ظاهر الحال صدقه فلو كان الكافر أظهر قوة وبطشا وشهامة من المسلم جعل ذلك قرينة في تقديم قوله مع أن قول المسلم لإسلامه وعدالته أرجح وقول الكافر مرجوح لكن القرينة المنفصلة عضدته حتى صار قوله أقوى من قول المسلم الراجح. وأما الظاهر فمن أمثلته قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة 3] فإنه ظاهر في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ مع
1 رواه البخاري في كتاب الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، ومسلم في كتاب الهبات، باب: 5، وأبو داود في كتاب البيوع، باب: الرجوع في الهببة، والنسائي في كتاب الهبة، باب: رجوع الوالد فيما يعطي ولده، وابن ماجه في كتاب الصدقات باب: الرجوع في الصدقة، وأحمد في"م1/ص40".
2 رواه البخاري في كتاب الهبة، باب: لايحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، والنسائي في كتاب الهبة، باب: ذكر الاختلاف لخبر عبدالله بن عباس فيه، والترمذي في كتاب البيوع، باب ذكر الشفعة وأحكامها، باب: 33، والموطأ في كتاب الشفعة، باب: ما لا تقع فيه الشفعة، وأحمد في"م3/ص296".