المخاطبين وإن كان الحكم عليهم وعلى غيرهم وأيضا فإن الدول من قبل وإلى عهدنا اصطلحوا على جعل اللغة الرسمية فيما بينهم لغة واحدة ليسهل التخاطب بها فيما بينهم واختاروا أن تكون أخف من غيرها على لسانهم كما جعل دول زمننا اللغة الفرنسوية هي اللغة الرسمية فيما بينهم. وكل دولة حكمت ذا ألسن مختلفة تجعل لغتها رسمية فيما بينهم وهذا قانون طبيعي في العمران. ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأمم على اختلاف ألسنتهم اقتضت حكمته أن يعلم الخلق ذلك القانون الطبيعي فأنزل كتابه بلغة نبيه التي هي أفصح اللغات وأوسعها وأدخلها في الإعجاز ليجعل اللغة العربية لغة رسمية لجميع الأمم التي أوجب عليها الإيمان بذلك النبي الكريم وليحصل الوفاق لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في اللسان كما وجب عليهم الوفاق في القلوب وفي التوحيد وفي جميع المعتقدات فليعلم ذلك والله الموفق.
فصل: اعلم أن الأسماء على أربعة أضرب وضيعية وعرفية وشرعية ومجاز مطلق فأما الوضعية فهي الثابتة بالوضع وهو تخصيص الواضع لفظا باسم بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ فهم منه ذلك المسمى كما أنه متى أطلق لفظ الأسد فهم منه حد الحيوان الخاص المفترس. والعرفي: ما خص عرفا ببعض مسمياته التي وضع لها في أصل اللغة عند ابتداء وضعها كلفظ الدابة الذي هو في أصل الوضع لكل ما دب لاشتقاقه من الدبيب ثم خص في عرف الاستعمال بذوات الأربع وإن كان باعتبار الأصل يتناول الطائر لوجود الدبيب منه. ومنه ما شاع أي اشتهر استعماله في غير ما وضع له في الأصل كالغائط فهو في أصل الوضع اسم للمطمئن أي المنخفض من الأرض ثم اشتهر استعماله عرفا في الخارج المستقذر من الإنسان وكالرواية التي هي في الأصل اسم للبعير الذي يستقى عليه ثم اشتهر استعمالها في المزادة التي هي وعاء الماء وهذا اللفظ العرفي هو مجاز بالنسبة إلى الوضعي الذي هو الموضوع الأول وحقيقة فيما خص به في العرف لاشتهاره فيه. والشرعية: ما نقله الشرع أي خرج بها الشارع عن وضع أهل اللغة ثم وضعها بإزاء معنى شرعي كالصلاة والصيام وقيل إن الشارع أبقى في الصلاة معنى الدعاء ثم ضم إليه شروطا كالوضوء والوقت والسترة وغير ذلك وهذه الألفاظ عند إطلاقها تصرف إلى معناها الشرعي لأن الشارع مبين للشرع لا للغة وكذا في كلام الفقهاء ومتى ورد اللفظ وجب حمله على الحقيقة في بابه لغة أو شرعا أو عرفا ولا يحمل على المجاز إلا بدليل يمنع