قلت: أما إطلاقه على الحرام فقد سبق لك بيانه في أن الإمامين أحمد ومالكا يطلقانه على الحرام الذي يكون دليله ظنيا تورعا منهما. وأما الباقي فهو بمعنى ترك الأولى. قال الطوفي في مختصر الروضة وإطلاق الكراهة ينصرف إلى التنزيه. وقال المرداوي في التحرير المكروه إلى الحرام أقرب وهو في عرف المتأخرين للتنزيه ويقال لفاعله مخالف وغير ممتثل ومسيىء نصا وقيل يختص الحرام. وقال القاضي أبو يعلى وابن عقيل يأثم بترك السنن أكثر عمره. قال الإمام أحمد من ترك الوتر فهو رجل سوء.
فصل: المباح: هو لغة المعلن والمأذون وشرعا ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه من غير مدح يترتب على فعله ولا ذم يترتب على تركه والمباح غير مأمور به عند الجمهور. وقال الكعبي المعتزلي وأتباعه هو مأمور به وليس منه فعل غير مكلف ويسمى طلقا وحلالا ويطلق هو والحلال على غير الحرام وليس بتكليف عند الأئمة الأربعة. وقال مجد الدين بن تيمية الإباحة تكليف وقصد بذلك أنها مختصة بالمكلف.
تتمة: اختلف العلماء في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع فقال أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب وكلاهما من الحنابلة والحنفية هي على الإباحة فما جاء في الشرع الحكم عليه بشيء عملنا وما لم يرد فهو باق على إباحته. وقال ابن حامد والقاضي أبو يعلى وبعض المعتزلة إنها على الحظر أي المنع فما لم يرد شرع بالحكم عليه فهو محظور. وقال أبو الحسن الخرزي من الحنابلة والواقفية وهم الذين يقفون في الأحكام عند تجاذب الأدلة لها إنها على الوقف أي لا يدرى هل هي مباحة أو محظورة. وأما المعتزلة فقد قسموا الأفعال الاختيارية إلى ما حسنه العقل فمنه واجب ومنه مندوب ومنه مباح وإلى ما قبحه العقل فمنه حرام ومنه مكروه وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن. ولا بقبح فهذا اختلفوا فيه فمنهم من قال إنه واجب ومنهم من قال إنه محرم ومنهم من توقف فيه هذا ما حققه عنهم الآمدي والمختار الإباحة وفائدة هذا الخلاف استصحاب كل واحد من القائلين حال أصله قبل الشرع فيما جهل دليله سمعا بعد ورود الشرع.