يوجب تقديم التابعين لرؤيتهم الصحابة وإن قال الشافعية إن الشافعي نسبه أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره قلنا النسب لا يوجب التقديم في العلم فإن الحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وعكرمة ومكحول وغيرهم بل عموم التابعين كانوا من الموالي وتقدموا على خلق كثير من أهل الشرف بالنسب لأن تقدمهم كان بكثرة العلم لا بقرب النسب وقد أخذ الناس بقول ابن مسعود وزيد ما لم يأخذوا بقول ابن عباس قلت وهذا باب واسع جدا وذكر ابن الجوزي من هذا كثيرا ثم قال هذا قدر الانتصار لاختيارنا لمذهب أحمد ورحمة الله على الكل وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وكان الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي يقول هذا المذهب يعني مذهب أحمد إنما ظلمه أصحابه لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع أحمد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات فكانت الولاية سببا لتدريسه واشتغاله بالعلم فأما أصحاب أحمد فإنه قل فيهم من يعلم بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد لغلبة الخير على القوم فينقطعون عن التشاغل بالعلم انتهى.
وهذا غاية ما وقع اختيارنا عليه من القول في هذا الموضوع ليعلم المتبع لمذهب ما لأي معنى اتبعه ولأي برهان اختاره دون غيره فلا يكون متبعا للهوى والتقليد الأعمى الضار والتعصب الذميم والله المستعان.
تنبيه: لا يذهب بك الوهم مما قدمنا إلى أن الذين اختاروا مذهب أحمد وقدموه على غيره من الأئمة وهم من كبار أصحابه أنهم اختاروا تقليده على تقليد غيره في الفروع فإن مثل هؤلاء يأبى ذلك مسلكهم في كتبهم ومصنفاتهم بل المراد باختيار مذهبه إنما هو السلوك على طريقة أصوله في استنباط الأحكام وإن شئت قل السلوك في طريق الاجتهاد مسلكه دون مسلك غيره على الطريقة التي سنبينها فيما بعد إن شاء الله وأما التقليد في الفروع فإنه يترفع عنه كل من له ذكاء وفطنة وقدرة على تأليف الدليل ومعرفته وما التقليد إلا للضعفاء الجامدين الذين لا يفرقون بين الغث والسمين وكيف يظن بمثل أحمد بن جعفر ابن المنادي وأبي بكر النجاد ومحمد بن الحسن أبو بكر الآجري والحسن بن حامد والقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفرا وأبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي وأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني،