تنبيه: إن هذه الشروط المذكورة كلها إنما تشترط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع أما من أفتى في فن واحد في مسألة واحدة ووجدت فيه شروط الاجتهاد بالنسبة إلى ذلك الفن أو تلك المسألة فلا يشترط له ذلك وجاز له أن يجتهد فيما حصل شروط الاجتهاد فيه وإن لم تتوفر فيه الشروط في غيرها وخالف قوم في هذا وهذا مبني على أنه هل يجوز تجزيء الاجتهاد أم لا يجوز والحق أنه يتجزأ لأن كثيرا من أئمة السلف الصحابة وغيرهم كانوا يسألون عن بعض مسائل الأحكام فيقولون لا ندري حتى إن مالكا رضي الله عنه قال لا أدري في ست وثلاثين مسألة من ثماني وأربعين مسألة وقد توقف الشافعي وأحمد بل الصحابة والتابعون في الفتاوى كثيرا فلو كان الاجتهاد المطلق في جميع الأحكام شرطا في الاجتهاد في كل مسألة على حدتها لما كان هؤلاء الأئمة مجتهدين لكنه خلاف الإجماع فدل على أن ذلك لا يشترط ولا يشترط عدالة المجتهد في اجتهاده لكنها مشترطة في قبول فتياه وخبره هذا ما يذكره علماء الأصول في المجتهد المطلق ويسمى عندهم بالمجتهد المستقل ويعرفونه بأنه الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد بمذهب معين.
فصل: جعل بعض المتأخرين أقسام المجتهدين على خمسة مراتب وممن علمناه جنح إلى هذا التقسيم أبا عمرو ابن الصلاح وابن حمدان من أصحابنا في كتابه أدب المفتي وتلاهما شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية فإنه نقل في مسودة الأصول كلام ابن الصلاح ولم يتعقبه وتتبعهم العلامة الفتوحي في آخر كتابه شرح المنتهى الفقهي ونحن نلخص كلامهم هنا فنقول ذهبوا إلى أن المفتي يعني المجتهد ينقسم إلى مستقل وغير مستقل. فالمستقل: هو المجتهد المطلق وقد مر بيانه وأما غير المستقل فقد كان ابن الصلاح ومن دهر طويل طوى بساط المفتي المستقل والمجتهد المطلق وأفضى أمر الفتيا إلى الفقهاء المنتسبين لأئمة المذاهب المتنوعة انتهى. ولا يلزم من طي البساط عدم الوجود فإن فضل الله لا ينحصر في زمان ولا في مكان. سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى ثم إن للمفتي المنتسب إلى أحد المذاهب أربع أحوال:
أحدها: أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في مذهبه ولا في دليله لكنه سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا وأولى من