الأول: المقتضى بفتح الضاد الذي تقتضيه صحة الكلام وتطلبه وهو المضمر الذي تدعو الضرورة إلى إضماره وتقريره وله وجوه أولها ما تدعو الضرورة إلى إضماره لصدق المتكلم نحو لا عمل إلا بنية أي لا عمل صحيح إلا بالنية إذ لولا ذلك لم يكن ذلك صدقا لأن صورة الأعمال كلها كالصلاة والصوم وسائر العبادات يمكن وجودها بلا نية فكان إضمار الصحة من ضرورة صدق المتكلم. ثانيها: وجود الحكم شرعا نحو قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] تقديره أو على سفر فأفطر فعليه صوم عدة من أيام أخر لأن قضاء الصوم على المسافر إنما يجب إذا أفطر في سفره أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضا ودليل ذلك ظاهر لغة وشرعا خلافا لما يحكى عن أهل الظاهر من أن فرض المسافر عدة من أيام أخر سواء صام في السفر أو أفطر وهو من جمودهم المعروف. ثالثها: وجود الحكم عقلا نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] فإن العقل يأبى إضافة التحريم إلى الأعيان فوجب لذلك إضمار فعل يتعلق به التحريم وهو الوطء فصار المعنى حرم عليكم وطء أمهاتكم.
الثاني: مما يتفاوت به لحن الخطاب وفحواه تعليل الحكم بما اقترب به من الوصف المناسب كقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} [النور: 2] أي لأجل السرقة والزنا فإن المعقول من هذا الكلام أن السرقة علة القطع والزنا علة الجلد لكن ليس هذا مفهوما لنا من صريح النطق ونصه بل من فحوى الكلام ومعناه.
الثالث: فهم الحكم في غير محل النطق بطريق الأولى وهو فهم الموافقة كفهم تحريم الضرب من تحريم التأفيف من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] فإن منطوق هذا تحريم التأفيف والانتهار ومفهومه بطريق التنبيه والفحوى تحريم الضرب وغيره من الإيلامات الزائدة على التأفيف والانتهار بطريق أولى ويسمى هذا مفهوم الموافقة لأنه يوافق المنطوق في الحكم وإن زاد عليه في التأكيد بخلاف مفهوم المخالفة فإنه يخالف حكم المنطوق كفهم عدم الزكاة في المعلوفة من حديث في سائمة الغنم الزكاة وحاصله أن مفهوم الموافقة تنبيه بالأدنى على الأعلى ويسمى فحوى الخطاب