الصفحة 19 من 59

إن عوامل داخلية طاردة تجعل من ليبيا ككيان جغرافي سياسي، معرّض أكثر من أي دولة في شمالي إفريقيا، إلى التوزع على أكثر من مركز، ما جعل وحدتها الكاملة لا سيما نطاقها الساحلي المأهول، استثناء تاريخيًا، رغم أنها دولة طبيعية من الناحية الجغرافية، لوجود الصحراء فيها كعنصر جامع. وبما أنها نقطة فراغ شاسع بين كتل سكانية كبيرة شرقًا (مصر) وغربًا (تونس والجزائر) ، فقد ظهرت فيها الثنائية بين برقة وطرابلس، في لحظات التجاذب بين القوى المهيمنة في البحر المتوسط، وتلاشت هذه الثنائية فقط في فترات الامتداد لقوة واحدة، إقليمية أو عالمية. وإذا كان القذافي قد استفاد من التقسيمات الاستعمارية وفترة الحرب الباردة، مستخدمًا كل أساليب القمع والمراوغة، للحفاظ بليبيا موحدة تحت طغيانه، بل تمكن من التكيف مع مرحلة القطبية الواحدة للولايات المتحدة، فسارع عقب غزو العراق عام 2003، إلى تقديم فروض الطاعة لسيد البيت الأبيض آنذاك (بوش الابن) ، فإن انفجار ثورة 17 شباط (فبراير) الماضي، بدءًا من بنغازي في الشرق، واستخدام القذافي وأبنائه للعنف الأعمى ردعًا للثوار، مستثيرًا المكوّنات القبلية والجهوية في معركة المصير، قد أعاد نوعًا من الثنائية القديمة ولو بالشكل. ورغم أن الثورة امتدت بسرعة موازية إلى مدن الغرب ولا سيما طرابلس، لكن ميزان القوى بين النظام والثوار من جهة أولى، واختلاف القوى الإقليمية والدولية حول مسار الأحداث والنتائج المبتغاة من كل طرف من هؤلاء، من جهة ثانية، ومبادرات الصلح الآتية من أطراف عدة، من جهة ثالثة، تدفع كلها إلى إحياء التجاذب الجغرافي الداخلي الذي هو نتاج مباشر لتناقضات المصالح الخارجية، وعلى الأقل استخدام هذه المميزات الجغرافية التاريخية لعقد تسوية سياسية، لا يكون فيها للشرق غلبة على الغرب، باعتبار أن الثوار يسيطرون على الشرق بغطاء من حلف الأطلسي، وأن آل القذافي يسيطرون على جوانب كثيرة من الغرب، رغم ضربات الحلف. وإذا كانت منطقة خليج سرت، المعروفة بالهلال النفطي، هي مركز ثقل الإنتاج النفطي في ليبيا، فإن الجمود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت