ويخطئ الكتَّاب في استعمال (تحرَّى) فيقولون: (لا يزال التحرّي مستمرًا عن المجرمين) ، ويحسبون أن الفعل في معنى الطلب والبحث والتقصّي عامة، وليس الأمر كذلك. فالتحرّي هو طلب الأحرى، أي طلب الأول والأحق. ففي اللسان:"ومن أحرِ به اشتقَّ التحرّي في أشياء ونحوها. وهو طلب ماهو أحرى"، وقال:"والتحري قصد الأولى والأحق مأخوذ من الحريّ وهو الخليق". وعلى هذا فالتحرّي هو طلب الأحرى على وجه الخصوص، ولذا كان قول الكتاب (تحرى عن الشيء) بمعنى بحث عنه لا وجه له، وقد جاء في الحديث:"تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر"، قال ابن الأثير في النهاية:"أي تعمَّدوا طلبها فيها، والتحرِّي القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول". فإذا قلت (تحرَّيت هذا الأمر) فمعناه أنك توخيته وخصصته بالطلب وتعمدت التماسه لأنه الأحرى، والفعل يتعدَّى بنفسه. وليس قولك (فتَّشَ أو بحث) بهذا المعنى.
وثمة (تعرض) ، ويستعمله الكتَّاب للتعبير عن أحد معنيين. ويبدو المعنى الأول في قولهم (تعرضت لفلان) إذا ابتغيته واعترضته وتصديت له فجعلته هدفًا لك. ويبدو الثاني في قولهم (تعرض البيت للخطر) ، إذا ابتغاه الخطر وتصدى له. فأصبح هو أي البيت هدفًا له. ونحو ذلك قولهم أيضًا (تعرضت المدينة للهجوم) إذا ابتغاها الهجوم وتصدى لها، فأصبحت هي، أي المدينة، هدفًا له، فأي الاستعمالين هو الصحيح؟..
أقول بحث هذا الدكتور مصطفى جواد في كتابه (قل ولا تقل) فصوَّب الاستعمال الأول دون الثاني. وحجته أن قولك (تعرضت له) ينم على رغبة الفاعل في الفعل، والمفعول إن وجد، فيمتنع على هذا أن تقول (تعرض فلان للتعذيب) ، أو نحو ذلك، إذ لا يستقيم أن يكون المتعرض راغبًا في (التعذيب) ، أو ما يشاكله من معاناة ومقاساة. وصواب التعبير أن تقول: (عُرِّضَ فلان للتعذيب) . بالبناء للمجهول. فما الرأي في هذا كله؟ ...