في اللغة فصول تشابكت أواصرها وتوشجت عراها، وكأن بينها رحمًا ماسَّة.
فأنت إذا عرضت لمسألة في أحدها أصارتك الحاجة إلى أن تذكي العين على ما يتصل بها من البحث في فصول من دوحتها، فتجعله منك على بال وذكر، ليبرح به خفاء ما عرضت له فينزاح غموضه وتحل رموزه.
من هذه الفصول فصل عقدته في هذه المجلة حول (نشوء اللغات) وآخر عقدته فيها حول (تدرج المعاني) . وهذا فصل في (الاشتقاق) يناط بهما ويُنْمَى إليهما. فإذا انتظم عقد هذه الفصول، وقد اشتبكت أسبابها وتمكنت أواصيها، كان بعضها ذريعة إلى جلاء ما قد يستغلق في بعضها الآخر، وسلّمًا إلى فك مشكله، وسببًا إلى إيضاح منهاجه واستبانة وجهه.
وأنت إذا تأملت فصلنا هذا في (الاشتقاق) عرفت قرابة ما بينه وبين الفصلين السابقين. في غير كلفة أو عسر أو عناء.
***ذهب الأئمة إلى أنه لا بد للكلم في كل مادة لغوية أن يشتق بعضها من بعض فترد إلى جنس من المعنى يعد أصلًا لما يشتق منها جميعًا. فالاشتقاق نزع لفظ من لفظ، ولو مجازًا، بشرط مناسبتهما في المعنى، واتفاقهما في الحروف الأصلية وترتيبها، ومغايرتهما في الصيغة حقيقة أو تقديرًا. وهكذا تشترك مفردات كل مادة لغوية في حروفها الثلاثة وترتيبها، وتلتقي على معنى يشملها. ثم يفرد كل منها بصيغة ومبنى ودلالة خاصة. وقد أسموا هذا النوع من الاشتقاق، الاشتقاق الصغير. وبحث الاشتقاق كثير من الأئمة المتقدمين كالأصمعي وقطرب وأبي الحسن الأخفش والمبرد وابن خالويه. وبرع فيه أبو بكر بن دريد في كتابه (الاشتقاق) ، وأوغل فيه أحمد ابن فارس في كتابيه (فقه اللغة) المعروف بالصاحبي، و (مقاييس اللغة) .
قال ابن فارس في فقه اللغة:(أجمع أهل اللغة، إلا من شذ عنهم، أن للغة العرب قياسًا، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبدًا على الستر. تقول العرب للدرع جنة.
وأجنه الليل. وهذا جنين، أي هو في بطن أمه أو مقبور. وأن الأنس من الظهور، يقولون: آنست الشيء أبصرته. وعلى هذا سائر كلام العرب، علم ذلك من علم، وجهله من جهل/ 33).
هذا وقد جعل الأئمة للاشتقاق نوعين آخرين هما الكبير والأكبر. فإذا كان شرط الاشتقاق الصغير، في مشهور التسمية، أن يكون بين اللفظين اتفاق في الحروف الأصول وترتيبها وتناسب في المعنى كضرب وضارب ومضروب من الضرب، فشرط الاشتقاق الكبير أن يكون بين اللفظين أو الألفاظ اتفاق في الحروف دون ترتيبها، ككمل وملك ولكم، أما الاشتقاق الأكبر فحده أن يكون بين اللفظين أو الألفاظ اتفاق في بعض الحروف وتقارب في الباقي.
وقد جعلوا التقارب في مخرج الحروف خاصة وفي صفتها، كجبل وجبر، وحلف وحرف، وحمس وحمش. ومنهم من أسقط ما شرطوه من التقارب فمثلوا له بفلق وفلى، ورصَّ ورصف.