فهرس الكتاب

الصفحة 1994 من 2516

وأما الكوفيون فعرفوا هذا وهذا . قال الفراء: نصب النفس على التشبيه بالتفسير، كما يقال: ضقت بالأمر ذرعًا، معناه: ضاق ذرعي به . ومثله: { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } ، أي: اشتعل الشيب في الرأس . قال: ومنه قوله: ألم فلان رأسه، ووجع بطنه، ورشد أمره . وكان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلما حول الفعل إلى زيد انتصب ما بعده على التمييز .

فهذه شواهد عرفها الفراء من كلام العرب . ومثله قوله: غُبِنَ فلان رأيه، وبطر عيشه . ومثل هذا قوله: { بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } [ القصص: 58 ] ، أي: بطرت نفس المعيشة . وهذا معنى قول يَمَان بن رباب: حمق رأيه ونفسه، وهو معنى قول ابن السائب: ضل من قبل نفسه، وقول / أبي روق: عجز رأيه عن نفسه .

والبصريون لم يعرفوا ذلك . فمنهم من قال: جهل نفسه، كما قاله ابن كَيسان، والزجّاج . قال: لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه، لأنه لم يعلم خالقها .

وهذا الذي قالوه ضعيف . فإنه إن قيل: إن المعنى صحيح، فهو إنما قال: [ سفه ] ، و [ سفه ] فعل لازم، ليس بمتعدٍ، و [ جهل ] فعل متعد . وليس في كلام العرب [ سفهت كذا ] البتة بمعنى: جهلته . بل قالوا: سَفُه ـ بالضم ـ سفاهة، أي صار سفيهًا، وسفِه ـ بالكسر ـ أي: حصل منه سفه، كما قالوا في [ فقُه وفقِه ] . ونقل بعضهم: سفهت الشرب إذا أكثرت منه . وهو يوافق ما حكاه الفراء، أي: صار شربه سفيهًا، فسفه شربه لما جاوز الحد .

وقال الأخفش، ويونس: نصب بإسقاط الخافض، أي: سفه في نفسه . وقولهم [ بإسقاط الخافض ] ، ليس هو أصلا فيعتبر به، ولكن قد تنزع حروف الجر في مواضع مسموعة، فيتعدي الفعل بنفسه . وإن كان مقيسًا في بعض الصور، فـ [ سفه ] ليس من هذا، لا يقال: سفهت أمر الله، ولا دين الإسلام، بمعنى: جهلته، أي: سفهت فيه . وإنما يوصف بالسفه وينصب على التمييز ما خص به، / مثل نفسه أو شربه، ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت