فهرس الكتاب

الصفحة 1970 من 2516

قال: وقال أكثر أهل المعاني: نزل بلسان العرب على مجاري خطابهم . ومن مذاهبهم التكرار إرادة للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز .

قلت: ومن المفسرين من لم يذكر غير الثاني - منهم المهدوي وابن عطية . قال ابن عطية: لما كان قوله: { لَا أَعْبُدُ } محتملًا أن يراد به الآن، ويبقي المستأنف منتظرًا ما يكون فيه من عبادته، جاء البيان بقوله: { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } ، أي: أبدًا ما حييت . ثم جاء قوله: { وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } ، الثاني ـ حتمًا عليهم ـ أنهم لا يؤمنون أبدًا، كالذين كشف الغيب عنهم، كما قيل لنوح: { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ } [ هود: 36 ] ، أما إن هذا فخطاب لمعينين، وقوم نوح قد عموا بذلك .

قال: فهذا معنى الترديد الذي في السورة، وهو بارع الفصاحة . وليس هو بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته، مع الإبلاغ والتوكيد، وزيادة الأمر بيانًا وتبريا منهم .

قلت: هذا القول أجود من الذي قبله من جهة بيانهم لمعنى / زائد على التكرير . لكن فيه نقص من جهة أخري . وهو جعلهم هذا خطابًا لمعينين،فنقصوا معنى السورة من هذا الوجه .

وهذا غلط، فإن قوله: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، خطاب لكل كافر، وكان يقرأ بها في المدينة بعد موت أولئك المعينين، ويأمر بها ويقول: هي براءة من الشرك . فلو كانت خطابًا لأولئك المعينين، أو لمن علم منهم أنه يموت كافرًا، لم يخاطب بها من لم يعلم ذلك منه .

وأيضًا، فأولئك المعينون ـ إن صح أنه إنما خاطبهم ـ فلم يكن إذ ذاك علم أنهم يموتون على الكفر .

والقول بأنه إنما خاطب بها معينين، قول لم يقله من يعتمد عليه . ولكن قد قال مقاتل ابن سليمان: إنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين . ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد . ونقل مقاتل وحده مما لا يعتمد عليه باتفاق أهل الحديث، كنقل الكلبي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت