الصفحة 58 من 375

التعبير عنه: تكون المعرفة التحليلية عكس ذلك، لأنها ترد الأشياء إلى عناصر مشتركة بينها وبين غيرها . وبذلك تكون أقرب إلى ترجمة الشيء برموز .

أما المعرفة الحدسية فليست كذلك، لأنها فعل مباشر بسيط يحفظ للأشياء وحدتها وفرديتها الأصلية" (51) ."

قال أبو عبدالرحمن: التفريق بين ما يعرف بالحدس وبين ما يعرف بالتحليل تفريق بين متماثلين، لأن ما يعرف عقليًا بالتحليل والوسائط قد يعرف حدسيًا. أي برؤية مباشرة .

وإنما خَيَّل لبرجسون زمن تابعه أن معرفة المطلق حدسية: (52) أن المطلق ذاته لا يحتاج إلى تحليل، لأنه أعم العمومات عند الفلاسفة، ولهذا عبروا عن الوجود بأنه مطلق . والواقع أنه لا وجود إلا بهوية .

وحينما يَعرف العارفُ مطلقًا فإن كان المطلق (53) بمعنى رب الكائنات سبحانه فللحدس مجال في ذلك كما مر بيانه .

وإن كان المطلق معنى أعم فلا يكون العلم بذلك حدسًا، بل هو تجريد ذهني .؟ أي أن الحادث لم يعرف شيئًا كان يجهله ، وإنما جرد معنى أعم من معارفه .

والمعرفة التحليلية التي تعيِّن شروطَ ما هو غير مطلق أعلى وأجل، لأنها زيادة علم .

ويتجلى الحدس معرفة ومضاهاة (خلقًا فنيًا) في خصوص نظرة الفنان إلى الأشياء حيث يدرك ما هو فريد، وبحيث يلفت نظر الآخرين بما يبدعه من فن .

وقد أثنى عربرت ريد على برجسون بأنه نبه الإنسان المعاصر إلى الرؤية الفنية التي تخاطب حس الإنسان بلغة اللون والشكل والصوت ما دامت حياتنا الحسية حياة لا نتزود بها من العلم، أو العقل النظري !! .

وهذا نص فيه بحبحة لبرجسون عن الحدس الفني أنقله من كتاب"الشعر والتأمل"لهاملتون ترجمة محمد مصطفى بدوي عن كتاب برجسون"مصدر الأخلاق ومصدر الدين". وقال"إن في استطاعة من يمارس فن الإنشاء الأدبي أن يتبين الفرق بين العمل حينما يُترك وشأنه، وبينه حين يتوقد بنار الانفعال الأصيل الفريد الذي يولد من توافق بين المؤلف وموضوعه . أي من الحدس ."

ففي الحالة الأولى يكد الروح ويعمل ببرود ويجمع بين معان تجري في ألفاظ منذ زمن طويل . معان يقدمها إليه المجتمع في حالة جمود وصلابة .

أما في الحالة الثانية فيبدو أن المواد التي يقدمها العقل قد دخلت مقدمًا في عملية صهر وامتزاج ، ثم تصلبت بعد ذلك وتجمدت من جديد، ثم أخذت شكل معان يأتي بها الروح ذاته .

وحينما تجد هذه المعاني ألفاظًا موجودة فعلًا تكفي للتعبير عنها فإن ذلك يعني صدفة (54) سعيدة لم يكن يحلم بها أحد .

فالواقع هو أنه لابد لنا من أن نعين الصدفة غالبًا، وأن نلزم مدلول اللفظ أن يلائم الفكر أو المعنى .

وفي هذه الحالة يكون الجهد شاقًا، والنتيجة غير مؤكدة . إلا أن مثل هذه الحالات هي وحدها التي يحس فيها للروح أو يعتقد بأنه أخلاق .

ولا يبدأ الروح ينتقل في خطوة واحدة إلى شيء يبدو في نفس الوقت واحدًا وفريدًا.

شيء يسعى بعدئذ إلى الظهور بقدر المستطاع في حدود التصورات الكثيرة المشتركة التي تُقدَّم لنا سلفًا في شكل الألفاظ" (55) ."

قال أبو عبدالرحمن: هذا ما استطعت إيجازه من فلسفة برجسون، وأكثر من هذا الإيجاز مخل، وفيه ميتافيزيفيات كثيرة، وهو ظلال فلسفة أعمق من الحدس الفني تتبنى حسبانية ذكية في الصد عن العقل والعلم للترويج للإلحاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت