معنى.. وذلك مجاز مرسل.
قال أبو عبدالرحمن: والأصول الثلاثة التي ذكرها ابن فارس لمادة"المعنى"في كتابه مقاييس اللغة تعود إلى معنى واحد من مادتين هما الواواي واليائي.. وتفرع عن المادتين الفرع الرباعي"عانى"بمعنى قاسى.
فالمعنى الأولى الوضعي الأصلي الحقيقي المطابق هو الخضوع بعد مقاساة، أو المقاساة بعد خضوع.. وذليل ذلك أن العناء مشتقه، وفعلها عنا، وهو فعل واوي عنا يعنو بمعنى خضع وذل.
ويؤيد أن المراد الخضوع بعد مقاساة أن ذلك هو المعتاد.
ويؤيد أن المراد المقاساة بعد الخضوع قولهم: أَعْنِ هذا الأسير.. أي دعه حتى ييبس القد عليه.. والأول أرجح.
وكان الأول أرجح لأن المراد في أعنه أخضعه بعد المعاناة.
وجاء الفعل اليائي لازمًا كالواواي ومتعديًا.. تقول: عَنيته، وعُنيت به.. وكل ذلك بالمعنى الذي ذكره ابن فارس، وهو القصد للشيء بانكماش فيه وحرص عليه.
ووجه أخذه من الواواي أنه نفيس يُحرص عليه، ومثل هذا يبذل له العناء..
إذن القصد في عنيت روعي فيه ابتداء القصد عن مشقة، ثم توسع به لمجرد القصد.
وأصل التصرف اللفظي أن الفعل الواوي بمعنى عنا هو، ثم تقول: عناني.. أي قصدته بمشقة حصلت لي لا له، فهو الذي شق بي.
وقيل: عناني فعنيته وعنيت به.. ولم يقل: فعنوته ليحصل معنى القصد، ولأنك لو قلت: عنوته كان المعنى أنك ألحقت المشقة به، وإنما المشقة حصلت لك.
والمعنيُّ بالياء المقصود، والمعنى بالألف المكان الذي يقصد ما فيه، ثم توسع به في المقصود ذاته.
وعنوان الكتاب ليس أصلًا مستقلًا كما ذكر ابن فارس، بل هو من اليائي، ووجهه أن يُلاحظ الدلالة العامة بالعنوان، فالعنوان إذن هو المعنى الأعم.
وكل دلالة للحرف، وكل دلالة للمفردة، وكل دلالة للجملة، وكل دلالة للكلام المركب من جمل فهي معناه، إلا أن المعنى يتنوع إلى معنى لغوي وفكري ونحوي وبلاغي.
والغالب إطلاق المعنى على مدلول الحروف والكلمات والكلام بمقتضى لغة العرب