وجوهره شديد اللين فيكون شديد القبول للتضرر بما يلاقيه ولو بأدنى ضغط فاحتيج أن يكون مصونًا عن ملاقاة ما يصل إليه من جميع الجهات وإنما يمكن ذلك بأن يحوط من جميع النواحي .
ولا يمكن أن يكون ذلك بعضو لين وإلا لم يكن له غنى فلا بد وأن يكون بعضو صلب يشتمل عليه من كل جهة وذلك هو عظام الرأس . فيكون الغرض الأقصى في خلقه هذه العظام هو أن تكون كالجنة للدماغ .
وهذه المنفعة ليست بالذات للبدن كله ولا كذلك منفعة الصلب إذ هي منفعة بالذات للبدن كله كما بان عن أنها أساس للبدن بجملته وهذه العظام للدماغ كالأضلاع للقلب .
ولقائل أن يقول: ما السبب في خلقه هذه العظام متصلة لا فرج بينها بخلاف الأضلاع مع أن القلب أشرف فكان ينبغي أن تكون جنته أشد صونًا قلنا: السبب في ذلك أمران: أحدهما أن الأضلاع موضوعة حيث ينالها الحس ولا كذلك الرأس فإنه غائب عن حراسة الحواس فاحتيج أن يكون الاحتياط في توقيته أكثر .
وثانيهما: أن الصدر احتيج فيه إلى حركة انبساط وانقباض بإرادة ليست طبيعية كما بيناه .
وإنما يتم ذلك بخلقة العضل . ويحتاج أن تكون هذه العضلات كبيرة جدًا وكثيرة لأن هذه الحركة عسرة فلو جعلت عظام الصدر متصلة ببعضها البعض لاحتيج إلى خلقة تلك العضلات فوقها واعلم أن لتخلل العضلات بين الأضلاع منفعة أخرى وهي تحلل البخارات وثالث الأقسام المذكورة: أن من العظام ما قياسه من البدن قياس السلاح الذي يدفع به المؤذي كالسناسن .
وهي عظام موضوعة على ظهور الفقرات لتمنع وصول المؤذي بعقب الملاقاة إلى الفقرات .
واحتيج إليها لأن ظهور الفقرات هو إلى خلف البدن فيكون حيث لا تشعر به الحواس .
فاحتيج أن تكون صيانتها من هناك شديدة فخلقت له هذه العظام وهي بمنزلة الزوائد التي هي على حجارة جدران القلاع وأسوار المدن إذ الغرض بتلك الزوائد منع وصول صدمة ما يلاقي من تلك الحجارة المنجنيق ونحوها وكذلك هذه العظام للفقرات .