فقال: قد بلغت مرادك، فلا تقطعني عن شغلي، وما أعيش به.
فألححت عليه، فقال: أنا رجل أصلي بالناس في هذا المسجد، وأقرىء القرآن، منذ أربعين سنة، ومعاشي من هذه الخياطة، لا أعرف غيرها. وكنت منذ دهر، قد صليت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت بتركي كان في هذه الدار، وامرأة جميلة مجتازة، وقد تعلق بها وهو سكران، ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس من أحد يغيثها، أو يمنعه منها، وتقول في جملة كلامها: إن زوجي قد حلف علي بالطلاق، أن لا أبيت برا، فإن بيتني، خرب بيتي، مع ما يرتكبه مني من الفاحشة.
قال: فرفقت به وسألته تركها، فضرب رأسي بدبوس كان في يده، فشجني، ولكمني، وأدخل المرأة بيته.فصرت إلى منزلي، وغسلت الدم، وشددت الشجة، واسترحت، وخرجت لصلاة العشاء الآخرة.فلما صلينا، قلت لمن معي في المسجد: قوموا بنا إلى عدو الله، هذا التركي، لننكر عليه، ولا نبرح، أو نخرج المرأة.
فقاموا، وجئنا فضججنا على بابه، فخرج إلينا في عدة غلمان، فأوقع بنا، وقصدني من بين الجماعة، فضربني ضربًا عظيمًا كدت أتلف منه، فحملني الجيران إلى منزلي كالتالف، فعالجني أهلي، ونمت نومًا قليلًا، وقمت نصف الليل، فما حملني النوم، للألم، والفكر في القصة.
فقلت: هذا قد شرب طول ليلته، ولا يعرف الأوقات، فلو أذنت، لوقع له أن الفجر قد طلع، وأطلق المرأة، فلحقت بيتها قبل الفجر، فسلمت من أحد المكروهين.
فخرجت إلى المسجد متحاملًا، وصعدت المنارة، فأذنت، وجلست أطلع منها إلى الطريق، أترقب خروج المرأة، فإن خرجت، وإلا أقمت الصلاة، لئلا يشك في الصباح، فيخرجها.
فما مضت إلا ساعة، والمرأة عنده، حتى رأيت الشارع قد امتلأ خيلًا، ورجالًا، ومشاعل، وهم يقولون: من أذن الساعة ؟ ففزعت، وسكت.ثم قلت: أخاطبهم، لعلي أستعين بهم على إخراج المرأة، فصحت من المنارة: أنا أذنت.فقالوا لي: إنزل، وأجب أمير المؤمنين.