حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي: أن شيخًا من التجار، كان له على بعض القواد، مال جليل ببغداد، فماطله به، وجحده إياه، واستخف به.
قال: فعزمت على التظلم إلى المعتضد، لأني كنت تظلمت إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فلم ينفعني ذلك.
فقال لي بعض إخواني: علي أن آخذ لك المال، ولا تحتاج إلى أن تتظلم إلى الخليفة، قم معي الساعة، فقمت معه.
فجاء بي إلى خياط في سوق الثلاثاء، يخيط، ويقرىء القرآن في مسجد، فقص عليه قصتي، فقام معنا.
فلما مشينا، تأخرت، وقلت لصديقي: لقد عرضت هذا الشيخ، وإيانا، لمكروه عظيم، هذا إذا حصل على باب الرجل، صفع، وصفعنا معه، هذا لم يلتفت إلى شفاعة فلان، وفلان، ولم يفكر في الوزير، فكيف يفكر في هذا الفقير ؟ فضحك، وقال: لا عليك، إمش، واسكت.
فجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخياط، أعظموه وأهووا التقبيل يده، فمنعهم من ذلك، وقالوا: ما جاء بك أيها الشيخ، فإن صاحبنا راكب، فإن كان لك أمر يتم بنا بادرنا إليه وإلا فادخل، واجلس إلى أن يجيء، فقويت نفسي بذلك، ودخلنا وجلسنا.
وجاء القائد، فلما رأى الشيخ أعظمه إعظامًا تامًا، وقال: لست أنزع ثيابي، أو تأمرني بأمرك.
فخاطبه في أمري، فقال: والله، ما عندي إلا خمسة آلاف درهم تسأله أن يأخذها، وأعطيه رهنًا في باقي ماله.
فبادرت إلى الإجابة، فأحضر الدراهم، وحليًا بقيمة الباقي، فقبضت ذلك منه، وأشهدت عليه الرجل، وصديقي، أن الرهن عندي إلى أجل، فإن حل الأجل ولم يعطني، فقد وكلني في بيعه، وقبض مالي من ثمنه، فخرجنا، وقد أجاب إلى ذلك.
فلما بلغنا مسجد الخياط، قلت له: قد رد الله تعالى علي هذا المال بسببك، فأحب أن تأخذ منه ما أحببت، بطيبة من قلبي.
فقال: ما أسرع ما كافأتني على الجميل بالقبيح، إنصرف، بارك الله لك في مالك.
فقلت: قد بقيت لي حاجة.
قال: قل.
قلت: تخبرني عن سبب طاعته لك، مع تهاونه بأكثر أهل الدولة.